البعث :حين يتحول الوفاء للماضي إلى غربة للتفاعل مع الحاضر والتطلع للمستقيل

بواسطة yahya


          

لا توجد خيانة بالضرورة وراء كل ما أصاب البعث من تراجع وانحسار. في كثير من الحالات، نحن أمام شيء أكثر قسوة من الخيانة وأشد تعقيدًا منها: فشلٌ وعجزٌ عن فهم تحولات العصر، وإصرارٌ على التفكير بأدوات لم تعد قادرة على تفسير الواقع أو تغييره. لقد تغيّرت المجتمعات، وتبدلت بنية الدولة والاقتصاد والثقافة، وتغيرت علاقة الأجيال بالسياسة والمعرفة والسلطة، بينما ظل جزء من خطابنا وأساليبنا وأسئلتنا أسيرًا لزمن مضى. وحين يصبح الماضي معيارًا وحيدًا للحقيقة، تتحول الذاكرة من مصدر قوة إلى قيد، ويتحول الوفاء للتجربة إلى عجز عن إنتاج تجربة جديدة.
إن أزمة البعث في تونس، كما في أقطار عربية عديدة، ليست مجرد خلافات تنظيمية أو صراعات بين أشخاص واتجاهات، وليست ملفًا يُغلق بتحديد «الخائن» و«المخلص». إنها أزمة أعمق: أزمة تجديد فكري وسياسي وتنظيمي. وكل مبادرة تحاول تحريك المياه الراكدة، مهما كانت محدودة أو قابلة للنقد، ينبغي أن تُقرأ أولًا باعتبارها محاولة للخروج من الجمود. أما تحويل كل اختلاف إلى تهمة، وكل اجتهاد إلى انحراف، وكل مراجعة إلى خيانة، فإنه لا يحمي الفكرة، بل يخنقها. فالأفكار الحية لا تحتاج إلى شرطة عقائدية تحرسها؛ تحتاج إلى أجيال قادرة على إعادة إنتاجها في شروط تاريخية جديدة.
لقد عرف تاريخ الأفكار ظاهرة «الفرقة الناجية» حين يتحول أصحاب فكرة ما إلى الاعتقاد بأن الحقيقة قد اكتملت لديهم، وأن الآخرين جميعًا على خطأ. وهذه العقلية، حين تتسلل إلى العمل السياسي، تجعل التنظيم مغلقًا على نفسه، وتحوّل الاختلاف من فرصة للتطور إلى تهديد يجب القضاء عليه. عندها يصبح استدعاء الماضي بديلًا عن التفكير، وتصبح النصوص القديمة إجابة جاهزة عن أسئلة جديدة، ويصبح الانتماء إلى التجربة أهم من القدرة على إنتاج المستقبل. وهنا يبدأ الاندثار من الداخل قبل أن يظهر في الواقع.
لذلك فإن إنقاذ البعث لا يكون بإعادة تشغيل آليات الماضي، وإنما بإعادة بناء القدرة على التفكير. المطلوب ليس هدم الذاكرة ولا التنكر للتراث النضالي، بل وضعه في مكانه الصحيح: الماضي خبرةٌ تُدرس، لا سجنٌ يُسكن. نحتاج إلى مراجعة نقدية هادئة للتجربة، تعترف بالإنجازات كما تعترف بالأخطاء، وتفكك أسباب الفشل بدل البحث الدائم عن شماعة بشرية لتعليقها عليه. نحتاج كذلك إلى إعادة تعريف القضايا المركزية: الوحدة العربية، الحرية، العدالة الاجتماعية، التنمية، الدولة الوطنية، الديمقراطية، السيادة، المعرفة، التكنولوجيا، الأمن الغذائي والطاقة والمياه. هذه القضايا لا يمكن معالجتها بلغة الستينيات والسبعينيات، لأنها تواجه عالمًا مختلفًا تمامًا.
والطريق إلى ذلك يبدأ، في تقديري، من فتح البعث أمام جميع أجياله ومكوناته: جيل المؤسسين والمناضلين القدامى بما يحملونه من تجربة وذاكرة، وجيل الوسط بما راكمه من خبرات، والأجيال الجديدة التي تحمل أسئلة مختلفة وأدوات مختلفة ورؤية مختلفة للعالم. لا ينبغي أن تكون السن معيار الشرعية، ولا الأقدمية التنظيمية معيار القيادة. الشرعية يجب أن تُبنى على الكفاءة، والنزاهة، والقدرة على الإقناع، والاستعداد للعمل، وقبل ذلك القدرة على إنتاج الأفكار.
كما أن المطلوب هو الانتقال من تنظيم يقوم على الولاء للأشخاص أو المواقع إلى تنظيم يقوم على المشروع. نحتاج إلى مساحات حقيقية للنقاش، ومراكز تفكير ودراسات، ومنتديات للشباب، وورشات لصياغة السياسات في الاقتصاد والطاقة والتعليم والتكنولوجيا والثقافة والعلاقات العربية والدولية. ونحتاج إلى أن يصبح الحزب مدرسةً لإنتاج الكفاءات لا مجرد جهاز لاستنساخ القيادات القديمة. فالبعث الذي لا ينتج اقتصاديين ومهندسين ومفكرين وباحثين وخبراء في التكنولوجيا والإعلام والسياسات العامة، لن يستطيع أن يكون قوة اقتراح في مجتمع المستقبل.
والأهم أن نكف عن الخوف من المبادرة. المياه الراكدة لا تتحرك بالتخوين، وإنما بالمبادرات. قد تخطئ المبادرة، وقد تصيب، وقد تحتاج إلى تعديل، لكن الخطأ الناتج عن التفكير والعمل أكثر فائدة من الجمود الذي يتخفى وراء شعارات الوفاء للماضي. المطلوب هو أن يصبح الاختلاف داخل المشروع العربي مصدر ثراء لا سببًا للقطيعة، وأن تكون الوحدة نتيجة اقتناع وتكامل، لا نتيجة إسكات المختلف.
إن «البعث» الذي نحتاجه اليوم ليس نسخةً محسنة من بعث الأمس؛ بل بعثٌ قادر على أن يولد من جديد. بعثٌ يستعيد جوهر الفكرة ويعيد صياغة أدواتها، يضع الإنسان العربي في مركز مشروعه، ويجمع بين الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية والتنمية والسيادة والمعرفة. بعثٌ يرى في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والمياه والأمن الغذائي أدوات للنهضة العربية، لا مجرد تفاصيل تقنية بعيدة عن السياسة. وبعثٌ يدرك أن المعركة الحقيقية ليست على من يمتلك الماضي، بل على من يستطيع أن ينتج المستقبل.
فالطريق القويم ليس في تقديس الماضي ولا في لعنه، وليس في توزيع صكوك الوطنية أو الخيانة، وإنما في امتلاك الشجاعة للاعتراف بأننا أخطأنا حيث أخطأنا، وأننا عجزنا حيث عجزنا، ثم تحويل ذلك الاعتراف إلى طاقة جديدة. إذا كان البعث فكرةً حية، فعليه أن يثبت قدرته على التجدد؛ وإذا كان مشروعًا للمستقبل، فعليه أن يفتح أبوابه لأبناء المستقبل. أما أن يظل أسيرًا لخلافات الأمس وخصومات الأمس وأدوات الأمس، فذلك ليس دفاعًا عن البعث، بل مساهمة هادئة في اندثاره.

     بلق

بلجاسم صوالحية 
باريس في 8 اوت 2026