متى تعود الرياضة الى قواعدھا الأخلاقية الناظمة؟

بواسطة yahya

 

ا⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰⁰ا بقلم المحامي حسن بيان

الرياضة كهواية واحتراف تطورت تبعاً للتطور العام الذي طرأ على مجرى الحياة العامة . فهي مادة  تدرّس في المدارس والجامعات ، واصبحت لها مؤسساتها وهياكلها ،وبات لها وزارة تدير شؤونها وتشرف عليها. ولهذا باتت الرياضة على تعدد انواعها تشغل حيزاً هاماً من حياة الناس ومساحة واسعة من اهتمامهم ، وبالتالي لم تعد مادة للتسلية والترفيه وتمضية الوقت للهروب من هموم الحياة وتضييق مساحة الفراغ في حياة الانسان خارج نطاق العمل . ومع التطور الذي طرأ على مسارها باتت واحدة من الفعاليات الانسانية  التي تحكمها الضوابط والانظمة والقوانين الآمرة  ، خاصة بعدما خرجت من الحدود الوطنية للدول الى المجالين القاري والدولي. واصبحت تنظم دورات عالمية لمختلف انواعها ، لكن الاهم فيها هي كرة القدم التي تتقدم شعبيتها على اية رياضة اخرى. 
لكن بالقدر  الذي تطورت فيه الرياضة ، بجوانبها الفنية والتنظيمية والتقنية وهو ما احدث تحولاً يصنف في الخانة الايجابية ، فإنها في المقابل اصبحت واحدة من مجالات  الاستثمار المالي والاقتصادي واستطراداً السياسي. وعندما تصبح الرياضة مادة يتم الاستثمار الاعلاني والتجاري فيها ، تتراجع القواعد الاخلاقية التي يفترض ان تكون ناظمة لها يوم  كانت تبدأ حصتها التدريسية بالتعريف بها انطلاقاً من قاعدة ان العقل السليم في الجسم السليم ، وان الروح الرياضية هي الاساس التي تحكم العلاقة بين المتنافسين والمتبارين ، والخصومة في المبارزة في القاعات والملاعب  هي خصومة شريفة ، من يفوز يفرح وهذه من طبائع الامور ، ومن يخسر يترح ، وهذه ايضاً من الطبائع الانسانية.  لكن حسب القواعد الاخلاقية للرياضة ، لا الفائز يكيد الخاسر ، ولا الخاسر يحقد ويضمر شراً بالفائز. 
هذه القواعد العامة التي يفترض ان تحكم قواعد الرياضة ، يبدو انها لم تعد كذلك بعد ان اصبحت واحدة من ميادين الاستثمار المالي ، اسوة باية تجارة اخرى. ومن المعروف ان من يسعى للاستثمار في مجال التجارة يتعامل مع السلعة بمبدأ الربح والخسارة ، وهدفه دائماً تحقيق الربح وعلى قاعدة الغاية تبرر الوسيلة.  
ان الرياضة التي تحولت الى سلعة استثمارية ، لم تعد تخضع لقواعدها الاخلاقية بل اصبحت تخضع لمنظومة قواعد تتعلق بالتسويق التجاري والذي تتحكم به القوى الاكثر امتلاكاً لمواقع النفوذ المالي والاعلامي والسياسي ، وما دخلت السياسية المنسلخة عن ضوابطها الاخلاقية شيئاً الا افسدته. 
وكما المستثمرين في الحقول الاقتصادية وفي كل مجالاتها يسعون الى حماية مصالحهم بشبكة من العلاقات السياسية والمالية مع هم في المواقع المنظورة وغير المنظورة في انظمة الحكم والسلطة ، فأن الاستثمار في الرياضة لايشذ عن هذه القاعدة ، حيث المافيات المالية ، تسيطر على النوادي الكبرى ، كما تسيطر على وسائل الانتاج ، وتمارس نفوذها لسن تشريعات تلاءم ما تصبو اليه في الاستثمار بهذا القطاع الحيوي. واكثر من ذلك فإنها تتحكم بالهياكل الادارية للاتحادات الوطنية والقارية والدولية ولجان التحكيم. 
ان تحويل الرياضة الى سلعة استثمارية ، ادى حكماً الى تفريعات استثمارية اعلامية واعلانية وتسويقية ومراهنات ضخمة خاصة في الدورات القارية والدولية واهمها كأس العالم لكرة القدم.   والذين ادخلوا الرياضة مجال الاستثمار التجاري ،لايستثمرون بالفرق الرياضية بما تجنيه من مردود وحسب، بل يضيفون الى استثمارهم  التركيز الاعلامي على بعض اللاعبين لجعلهم نجوماً مميزة ، يتم الاستثمار بها في التسويق الاعلاني لسلع  استهلاكية وعلامات تجارية ووسيلة لتبييض الاموال  . ولهذا فان  الرياضة التي تحولت في ظل هيمنة الرأسمال الاستثماري عليها الى سلعة  ، فقدت براءتها، وهذا يبرز جلياً في الفضائح المالية والتحكمية والتدخل السياسي فيها التي ترافق كل مباريات دولية كبرى واخرها ماظهر في دروة كأس العالم لعام ٢٠٢٦. 
فالرئيس الاميركي يتدخل مباشرة لاسترداد بطاقة حمراء بحق لاعب اميركي ، وحكم صومالي يمنع من الدخول الى اميركا وهي الملزمة بتسهيل الدخول الى ارضيها بالنسبة لاعضاء الفرق والاطقم الادارية والطبية والحكام. ورئيس الفيفا ،يتربع على رأسة سلطة ادارية بات الفساد ينخرها من اسفلها الى اعلى هرمها. والتحكيم لم يعد تحكيماً نزيهاً وحيادياً ، بل بات غب الطلب وفي خدمة مافيات المال المهيمنة  على رياضة كرة القدم باعتبارها الاكثر شعبية والاكثر مدراراً للربح والاوسع انتشاراً، ومافيات المراهنات لم تتوان عن استعمال اقذر الوسائل الترهيبية والترغيبية لحماية استثماراتها في هذا المجال. وعندما تستطيع فيتنام ان تكتشف وتفكك شبكتي مراهنات على  العالم بقيمة ١٣٣ مليون دولار، فهذا ليس سوى غيض من فيض ينخر جسم المتعاملين مع هذا القطاع الحيوي . واذا كان الشيء بالشيء يذكر ،فإنه  دورة "المونديال "  لعام ١٩٩٤ قتلت مافيا المراهنات المدافع الكولومبي "اندرياس  اسكوبار"لانه سجل بالخطأ هدفاً في مرمى فريقه ، مما تسبب في اقصاء كولومبيا من دور المجموعات وخسارة عصابات المراهنات مبالغ طائلة. 
وكي لانبعد كثيراً ، في ابراز الادلة ، يكفي الوقوف على ما يسمى بالاخطاء التحكمية في الدورة الحالية لكأس العالم والتى تسمى تقنياً بهذا الاسم فيما الحقيقة انها تواطؤ مكشوف بين الحكام مع حيتان المال وعصابات المراهنة ان لم نقل شراء ذمم  . اذ بعد خروج المانيا والبرازيل وهولندا ،  وهي من الفرق  المرشحة دائماً للفوز بكأس العالم والتي يتم المراهنة عليها  ، لم تعد عصابات المراهنة تحتمل خروج فريق مرشح وهو فريق الارجنتين وهوفريق  مراهن عليه ويضم بين صفوفه لاعباً  وان كان يملك مهارات فنية الا انه لم يصبح  نجماً  ومادة للمراهنة  الا بفعل التسويق الاعلامي والاعلاني له  ولهذا تستميت المافيات التي تستثمر في نظام المراهنات على أن لا يخرج من الادوار الاقصائية ، لذا كان لابد من تأمين عبوره بتوفير انحياز الحكام له.  وهذا مابدا جلياً في مباراة مصر والارجنتين بانحياز طاقم الحكام  وخاصة حكم الساحة . ولذلك فإن فوز فريق الارجنتين لم يكن بسبب المهارات والخبرة التي يمتلكها بعض اللاعبين   وحسب ،بل ايضاً  بسبب القرارالمسبق المتخذ في كواليس ادارة الفيفا والتي زُوِدَ  حكام المباراة بكلمة سرها. 
ان مصر خرجت من الدور الاقصائي  بقرار من  الفيفا وعصابات المراهنة والذي نفذه جهاز التحكيم دون وجل او خجل ، وهذا لانقوله لاسباب عاطفية تشدنا الى فريق عربي ، بل لحجة   جهابذة كرة القدم في العالم ، التي ترتقي شهادتهم بما حصل في ملعب "اتلانتا" حد الادانة للتحكيم الذي ظلم فريقاً مارس اللعب النظيف متكئا على تصميم اللاعبين على الفوز ، فيما الفريق الاخر كان يتكئ على دعم الغرف السرية في ادارة الفيفا وعصابات المافيا والمراهنات .  
فمتى تعود للرياضة عذريتها ؟  الجواب  ، عندما تعود اليها قواعدها الاخلاقية الناظمة لها ، ولاتعود سلعة للاستثمار التجاري وصناعة النجوم  وعصابات المراهنة  .