حين تنتصر الدولة للكفاءة... يكون إنصافھا أمتداد ا لإصلا حھا

بواسطة yahya

.

 

دعوة إلى استكمال مسار الشفافية بإنصاف الناجحين من البيولوجيين المساعدين

ليست قوة الدول بما تمتلكه من موارد مادية فقط، وإنما بما تبنيه من ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وهذه الثقة لا تُمنح بالكلام، بل تُكتسب حين يشعر المواطن أن جهده مقدّر، وأن كفاءته هي طريقه الطبيعي إلى خدمة وطنه، وأن مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص ليس مجرد عناوين جميلة، بل قواعد حاكمة للقرار العمومي.

ومن هذا المنطلق، فإن قرار الحكومة اعتماد الرقمنة في مسابقات الاكتتاب العمومي يمثل خطوة إصلاحية مهمة تستحق الإشادة؛ لأنه تجاوز الجانب التقني إلى معنى أعمق، هو إعادة بناء الثقة في المسابقة العمومية، وجعل الاستحقاق والكفاءة هما الفيصل في الوصول إلى الوظيفة العامة.

لقد عانت الإدارة طويلًا من آثار ممارسات أضعفت روح المنافسة، وأثرت سلبًا على الحكامة وجودة الأداء العمومي، ولذلك فإن الانتقال إلى مسار أكثر شفافية ونزاهة يشكل لبنة أساسية في بناء دولة المؤسسات، وترسيخ مبدأ أن الوظيفة العمومية مسؤولية تُسند إلى الأجدر بها.

وهذا التوجه ينسجم مع المبادئ الدستورية التي تجعل المواطنين متساوين أمام القانون، وتؤكد حقهم في تكافؤ الفرص، كما ينسجم مع الرؤية التي عبّرت عنها السلطات العمومية في أكثر من مناسبة، والقائمة على تعزيز الحكامة الرشيدة، ومحاربة الفساد، وتوجيه مقدرات الدولة نحو خدمة المواطن وتمكين الشباب من المشاركة الفاعلة في بناء الوطن.

غير أن نجاح الإصلاح لا يكتمل بمجرد ضمان نزاهة المسابقة، بل يكتمل حين تُحسن الدولة استثمار نتائجها، لأن الكفاءة التي تُكتشف ولا تُستثمر تبقى فرصة ضائعة، ليس لصاحبها فقط، وإنما للمرفق العام الذي هو في أمس الحاجة إليها.

لقد أعلنت وزارة الصحة عن اكتتاب 997 وحدة في مختلف التخصصات الصحية، من بينها 50 بيولوجيًا، و40 بيولوجيًا مساعدًا، و250 قابلة، و250 ممرض دولة، و13 مهندسًا بيوطبيًا، إلى جانب تخصصات أخرى.

وفي مسابقة البيولوجيين المساعدين، تنافس أكثر من 1060 مترشحًا، ولم ينجح سوى 100 مترشح، وهو ما يعكس مستوى المنافسة، ويؤكد أن النجاح لم يكن نتيجة ظرف أو صدفة، بل كان ثمرة جدارة علمية واستحقاق حقيقي.

ومن بين هؤلاء الناجحين، يوجد ستون مترشحًا حصلوا على معدل عشرة فما فوق، وهم يمثلون نخبة اجتازت امتحانًا وطنيًا شفافًا، وأثبتت امتلاكها المستوى المطلوب للانخراط في خدمة القطاع الصحي.

إن المطالبة بإلحاق هؤلاء الستين لا تعني تجاوز نتائج المسابقة، ولا منح امتياز خارج القانون، بل تعني الاستفادة المثلى من نتائج مسار إصلاحي أنفق فيه الوطن جهدًا وموارد من أجل الوصول إلى الكفاءات.

فإذا كانت الدولة قد فتحت باب المنافسة النزيهة، فإن منطق الإصلاح يقتضي ألا تترك من نجحوا عبر هذا الباب خارج دائرة الاستفادة، خصوصًا في قطاع حيوي كقطاع الصحة.

إن البيولوجيين والمساعدين البيولوجيين ليسوا مجرد أرقام في جدول الاكتتاب، بل هم جزء أساسي من منظومة الأمن الصحي الوطني. ففي عالم تتزايد فيه الأمراض الفيروسية والأوبئة، أصبحت المخابر الطبية خط الدفاع الأول في اكتشاف الأمراض وتشخيصها ومتابعة انتشارها.

ولا يمكن بناء منظومة صحية حديثة دون تعزيز العنصر البشري المؤهل في مجال البيولوجيا الطبية، لأن جودة التشخيص هي أساس جودة العلاج، ولأن المختبر لا يقل أهمية عن أي مرفق صحي آخر في حماية حياة المواطنين.

كما أن خصوصية هذه المجموعة تزداد وضوحًا بالنظر إلى أن عددًا من الناجحين سبق لهم العمل داخل قطاع الصحة بعقود مؤقتة، ثم شملهم قرار وقف التعاقد. وهؤلاء لم يعودوا إلى سوق العمل من نقطة الصفر، بل جمعوا بين الخبرة الميدانية والنجاح في مسابقة وطنية شفافة، فكانوا نموذجًا للكفاءة التي اختبرتها التجربة قبل أن تختبرها المسابقة.

وقد عرفت الإدارة الموريتانية حالات سابقة تم فيها اعتماد جميع الناجحين عندما ظهرت حاجة المرفق العام إليهم، كما حدث في قطاع التعليم، حيث أفضت نتائج المسابقة إلى الاستفادة من عدد أكبر من الناجحين بعد أن تبينت الحاجة الفعلية إلى خدماتهم.

إن الحكامة الرشيدة لا تعني الجمود عند الأرقام، وإنما تعني القدرة على اتخاذ القرار الذي يخدم المصلحة العامة، ويوازن بين مقتضيات التنظيم وحاجات الدولة.

ومن هنا، فإن إنصاف هؤلاء الناجحين ينسجم مع جوهر الإصلاح الذي تنتهجه الدولة: دولة تكافئ الاجتهاد، وتحمي مبدأ الاستحقاق، وتفتح أمام الشباب أبواب الأمل والعمل.

فحين تُعلن الدولة أن الشباب محور أساسي في مسارها التنموي، فإن أفضل ترجمة لذلك هي أن يجد الشباب الذين أثبتوا كفاءتهم مكانهم الطبيعي داخل مؤسسات وطنهم، وأن يشعروا بأن النجاح طريق مفتوح لا ينتهي عند لحظة إعلان النتائج.

إن القرار المنتظر بإلحاق الستين من البيولوجيين المساعدين سيكون أكثر من مجرد إجراء إداري؛ سيكون رسالة قوية بأن عهد الشفافية الذي بدأ برقمنة المسابقات سيكتمل بالوفاء لنتائجها، وأن الكفاءة التي أنصفتها الدولة في الامتحان لن تُترك تنتظر عند أبواب التوظيف.

إن الدول لا تبنى فقط بالقوانين، بل بالثقة في تطبيقها، ولا تنهض فقط بالكفاءات، بل بحسن اختيارها وتمكينها.

ولذلك فإن إنصاف هؤلاء الناجحين سيكون انتصارًا لمبدأ أكبر: أن موريتانيا التي تسعى إلى الإصلاح هي موريتانيا التي تجعل من الكفاءة طريقًا، ومن العدالة قاعدة، ومن الشباب رهان المستقبل.

حمادي سيدي محمد آباتي