حين يصبح《 الولي》 ناطقا رسميا باسم السماء!

بواسطة yahya


في موريتانيا، لا يختلف اثنان على أن الدين هو أعظم ما نملك، وأن محبتنا للعلماء والصالحين جزء من هويتنا. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول بعض الناس من محبة الصالحين إلى منحهم صلاحيات لم يمنحها الله لهم.
فجأة، يصبح الشيخ مركزًا لخدمة ما بعد الآخرة!
إن مرضت، فهناك من يقنعك أن الوصفة ليست عند الطبيب، بل عند ورقة مطوية بعناية.
وإن تعثر رزقك، فالمشكلة - في نظره - ليست في الاقتصاد ولا في ضعف التخطيط، وإنما لأنك لم تحصل بعد على "النسخة الممتازة" من الحجاب.
أما إذا ناقشت، أو سألت، أو طلبت دليلاً، فستكتشف أنك لم تعد تناقش إنسانًا، بل مؤسسة كاملة تحتكر تفسير الغيب، وتمنح شهادات القرب من الله، وتسحبها ممن تشاء.
العجيب أن السلف الصالح، الذين يتغنى الجميع باتباعهم، لم يعرف عنهم أنهم فتحوا متاجر لبيع البركة، ولا أنهم جعلوا بين العبد وربه وسطاء يتقاضون المقابل.
كانوا يعلمون الناس أن الدعاء عبادة، وأن الرقية قرآن، وأن التوكل عمل القلب، لا تجارة السوق.
وكانوا إذا سُئلوا عن أمر لا يعلمونه قالوا: "الله أعلم"، ولم يخترعوا إجابة تحفظ مكانتهم الاجتماعية.
اليوم، صار بعض المتصدرين يغضب إذا سألته: "ما دليلك؟"
وكأن السؤال في ذاته جريمة!
بل إن بعضهم يتعامل مع النقد كما لو كان اعتداءً على الدين نفسه، مع أن الدين باقٍ محفوظ، أما اجتهادات البشر فتصيب وتخطئ.
ومن أطرف المفارقات أن بعض الناس يرفض أن يراجع عقد شراء سيارة إلا بعد قراءة كل سطر فيه، لكنه قد يسلّم عقيدته وعقله لأول متحدث يرفع صوته، دون أن يسأله عن دليل من كتاب أو سنة.
إن السلف الصالح لم يربوا الناس على تقديس الأشخاص، وإنما على تعظيم النص.
ولم يعلموهم أن الشيخ يُتبع في كل شيء، وإنما علموهم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويُرد، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والأدهى أن بعض المنحرفين عن هذا النهج يجعلون كل اعتراض عليهم اعتراضًا على الأولياء، وكل نقاش معهم حربًا على التصوف، وكل مطالبة بالدليل سوء أدب مع الصالحين.
وهكذا يختلط احترام العلماء بتقديسهم، ومحبة الصالحين بالعصمة لهم، حتى يصبح النقد بدعة، والسؤال وقاحة، والتفكير مؤامرة.
ولو عاد أئمة السلف اليوم، لاستغربوا من قوم يكثرون الحديث عن الكرامات، ويقللون الحديث عن الفرائض، ويتنافسون في نسبة الخوارق إلى الأشخاص أكثر من تنافسهم في تعليم الناس القرآن والصدق والأمانة.
إن الدين لم ينتشر في هذه البلاد لأن الناس عرفوا أسماء المشايخ، وإنما لأنه عرفوا أسماء الله الحسنى، وآمنوا بكتابه، واتبعوا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ولذلك، فإن العودة إلى منهج السلف ليست حربًا على أحد، ولا انتقاصًا من أهل الفضل، وإنما هي عودة إلى الميزان الذي لا يميل: كتاب الله، وسنة رسوله، وفهم الصحابة والتابعين.
أما الذين جعلوا الدين تجارة، أو سلطة، أو وساطة بين الخالق والمخلوق، فهم أول من أساء إلى قدسيته، وإن أكثروا من الشعارات.
وحين يستعيد المواطن حقه في السؤال، وواجبه في طلب الدليل، ويدرك أن البركة الحقيقية في طاعة الله لا في استغلال اسمه، فساعتها سيضحك من كثير مما كان يظنه يومًا من صميم الدين، وهو في الحقيقة من صنع البشر.
حفظ الله موريتانيا، وحفظ دينها من الغلو كما يحفظه من التفريط، وجعلنا ممن يعظمون الوحي أكثر من الأشخاص، ويزنون الأقوال بالحق، لا الحق بالرجال.
وخلاص.

عبدالله محمد الحيمر