كتب: كمال عبد الكريم نائب الأمين العام للجبهة العربية لتحرير الأحواز
ما إن نرى هذا التهافت الذي لا يرتقي إلى تاريخ الأمة من بعض العرب على نظامٍ إيراني تلطخت يداه بدماء العرب حتى ندرك أن العطب لم يعد في السياسة وحدها بل في الذاكرة وفي الإرادة وفي معنى الكرامة نفسها. فليس من الفهم السياسي ولا من الحكمة ولا من الواقعية أن يُعامل الجلاد بوصفه حليفا وأن يمنح المجرم صكوك البراءة وأن يُقدَّم من لوث الأرض العربية بالقتل والخراب على أنه شريك أو جار أو صاحب قضية.
حين نتحدث عن إيران فنحن لا نتحدث عن خلافٍ عابر ولا عن تنافسٍ سياسي محدود ولا عن تباين طبيعي بين دول الجوار بل نتحدث عن مشروعٍ عدائي متكامل تأسس على وهم التفوق وتغذى على نزعة توسعية مريضة وارتدى عباءة الدين ليخفي تحتها أوسع عملية تخريب عرفها المشرق العربي في تاريخه الحديث.
هذا المشروع لم يولد بالأمس ولم يكن رد فعل على حدثٍ طارئ بل هو مشروع قديم في أهدافه جديد في أدواته صاغ الخميني أسسه ثم تولّى خامنئي تنفيذه بإصرارٍ دموي حتى صار العالم العربي ساحة مفتوحة لنفوذه وميليشياته وأذرعه وشعاراته الكاذبة.
لقد دخل هذا المشروع إلى بلاد العرب لا بصفة الجار بل بصفة الغازي.
دخل إلى العراق فحوله من دولة مركزية ذات ثقل تاريخي إلى ساحةٍ للفوضى الطائفية والاغتيال والفساد وتفكيك مؤسسات الدولة ومصادرة قرارها الوطني. ودخل إلى سوريا لا نصرة لشعبها ولا دفاعًا عن أرضها بل شريكًا في قتل السوريين وتهجيرهم وتدمير مدنهم ثم نصب نفسه وصيا على القرار السوري كما لو أن دمشق ولايةٌ تتبع طهران، وامتد إلى اليمن فحوّل معاناة اليمنيين إلى ورقة مساومة وأشعل حربًا طويلة وعمّق الانقسام ودفع البلاد إلى مزيد من الانهيار والجوع والخراب.
أما لبنان فقد اختطفه من داخله وأقام فيه دولة فوق الدولة وسلاحا فوق القانون وقرارًا يتجاوز إرادة الشعب ومؤسسات الدولة.
و احتل الأحواز العربية منذ أكثر من مئة عام كما احتل الجزر العربية الثلاث التابعة لدول الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، طنب الكبرى و طنب الصغرى و ابو موسي.
فأي سياسة هذه التي يطلب من العرب أن يقبلوها، وأي منطق هذا الذي يحوّل المعتدي إلى شريك، والمخرّب إلى صديق، والمتورط في الدم العربي إلى طرفٍ جدير بالاحترام والمجاملة.
أي عقل سياسي هذا الذي يرى الميليشيات التي مولتها طهران والجثث التي خلّفتها والمدن التي دمرتها ثم يطلب منا أن نخفض أصواتنا باسم الحكمة و التوازن وحسن الجوار؟
لا ليست هذه حكمة بل عجز يتخفى في ثوب الدبلوماسية وهزيمة نفسية تسوّق على أنها تعقل.
لقد نجح النظام الإيراني للأسف في استغلال الوهن العربي والتشرذم العربي والفراغ العربي فمدّ نفوذه في العواصم واشترى الولاءات وصنع الميليشيات وبث الفتن ثم وقف بكل صفاقة يتحدث باسم الإسلام ويتاجر بفلسطين ويرفع راية المقاومة فوق أكوام الخراب العربي.
وليس في هذا السلوك ما يثير الدهشة بقدر ما يثيرها ذلك القبول العربي المريب وذلك الصمت المذل وذلك الاستعداد العجيب لتناسي الدماء وتجاوز الحقائق وإعادة تدوير الجريمة في صورة موقفٍ سياسي قابل للتبرير.
إن أخطر ما في المشروع الإيراني ليس فقط احتلاله القرار في بعض الدول العربية، بل نجاحه في قلب المفاهيم، حيث جعل من التدخل دعمًا، ومن الطائفية مقاومة، ومن الميليشيات حركات تحرر، ومن الهيمنة شراكة، ومن تدمير الدول حماية للمقدسات.
هكذا تزوّر اللغة قبل أن تزوّر الوقائع وهكذا يخدع الوعي قبل أن تنهب الأرض، وما لم يستعيد العرب وضوحهم الأخلاقي والسياسي فانهم سيبقون أسرى هذا الخداع الكبير الذي يزيّن لهم الذل، ويسمي الانكسار تعقلآ، ويقدّم التبعية على أنها براعة في إدارة المصالح.
أيها العرب إنكم لستم أمة هامشية في التاريخ حتى تستباحوا بهذه السهولة، ولا شعبًا بلا جذور حتى يعاد تشكيل وعيكم على مقاس مشاريع الآخرين.
أنتم أمة جعل الله مقدساتها في أرضكم ومنها خرج الأنبياء والمرسلون وعلى ترابها قامت الحضارات ومن لغتها نزل القرآن وفيها ولد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، أنتم أصحاب هذا الإرث العظيم وهذه الجغرافيا الممتدة وهذا العمق الحضاري والروحي والإنساني فكيف رضيتم أن يتحول بعضكم إلى شهود زور على إذلال أمتهم وكيف قبلتم أن تصبح العواصم العربية ساحات نفوذ لمشروع يرى في العرب مجرد أدوات أو خصوم أو وقودٍ لحروبه؟
إن من العار أن يُنسى الشهداء الذين استشهدوا في مواجهة هذا التمدد وأن تمحى من الذاكرة العربية تضحيات العراقيين و الاحوازيين، والسوريين، واليمنيين، واللبنانيين، وكل من وقف في وجه الميليشيات والخراب والتبعية.
ومن العار كذلك أن يُطلب من العرب أن يتسامحوا مع من قتل أبناءهم وشرّد شعوبهم وخرب مدنهم ثم ما زال يحدثهم عن الأخوّة الإسلامية وعن القدس وعن وحدة الصف، وكأن الدم العربي تفصيل صغير يمكن تجاوزه في بيانات المجاملة وصور المصافحة.
إن الأمم الحية لا تكرم من أهانها ولا تصافح من غرس خناجره في ظهرها، ولا تمنح الشرعية لمن بنى نفوذه على جماجم أبنائها.
الأمم الحية تعرف عدوها وتسمي الأشياء بأسمائها وتدافع عن أمنها القومي، وتصون ذاكرتها من العبث، وتردّ العدوان بما يليق بها من صلابة ووضوح وموقف.
أما الأمة التي تتنازل عن تعريف عدوها وتساوي بين الضحية والجلاد وتستبدل الحقائق بالمجاملات، فإنها تمهّد بنفسها لمزيدٍ من الإهانة ومزيدٍ من الاختراق ومزيدٍ من السقوط.
ما أحوج العرب اليوم إلى صحوةٍ لا تجامل، وإلى خطابٍ لا يخاف، وإلى موقف يضع إيران في موضعها الحقيقي مشروعًا توسعيا عدائيًا استثمر في الطائفية والخراب والدم ولا يزال يسعى إلى ابتلاع القرار العربي حيث استطاع.
وما أحوجهم كذلك إلى استعادة ثقتهم بأنفسهم وبأنهم ليسوا أقل شأنا من أن يحموا أوطانهم، ولا أقل قيمة من أن يكتبوا مصيرهم بأيديهم، ولا أقل كرامة من أن يرفضوا الذل ولو تلحف بشعارات الدين والمقاومة والمظلومية.
لقد آن للعرب أن يفيقوا من هذا الوهم الثقيل.
آن لهم أن يدركوا أن من يقتل أبناءهم ليس حليفا، ومن يخرب أوطانهم ليس شريكآ، ومن يحتل قرارهم ليس صديقا، ومن يتاجر بقضاياهم ليس نصيرا.
آن لهم أن يستعيدوا معنى الكرامة وأن ينهضوا إلى مستوى تاريخهم وأن يفهموا أن الأمة التي لا تحمي نفسها تؤكل، وأن الأمة التي لا تصون ذاكرتها تُخدع، وأن الأمة التي لا تواجه مشاريع الإذلال تساق إليها صاغرة.
فإلى متى يبقى العربي يصفق لمن يهينه، وإلى متى يبقى بعض العرب أسرى خطاب يبرّر الجريمة ويجمّل القبح ويمنح المعتدي فرصة جديدة بعد أخرى، وإلى متى نظل نرى هذا الإرث العظيم وهذه الأمة الكبيرة تقف مترددة أمام مشروعٍ لم يخف يوما عداءه لها، ولم يتوقف يوما عن التسلل إلى خاصرتها والعبث بأمنها وتفكيك مجتمعاتها وتدنيس سيادتها.
إنها ليست دعوة إلى كراهية الشعوب ولا خصومة مع التاريخ بل دعوة إلى وضوح لا يلين، وإلى ذاكرةٍ لا تباع، وإلى كرامة لا تساوَم، وإلى موقفٍ عربي يعرف أن من لم يتعلم من الدم سيتعلم من مزيدٍ من الدم.




