ليست السياسة ميدانًا للتجريح، ولا المنابر وفضاءً لإطلاق الألفاظ الهابطة، بل هي فن الاختلاف المسؤول، حيث تُقاس قيمة الخطاب بما يحمله من أفكار، لا بما يتضمنه من إساءات.
لقد تابع الموريتانيون ما صدر عن بعض قادة المعارضة في مهرجان نواذيبو، فكان لافتًا أن يغلب على بعض المداخلات خطاب الانفعال بدل الحجة، وأن تحل العبارات الساقطة محل النقاش الرصين. والمؤسف أن هذا الأسلوب يصدر عن شخصيات تقدم نفسها باعتبارها بديلًا لقيادة البلاد، بينما القيادة الحقيقية تبدأ من احترام الكلمة قبل إدارة الدولة.
إن من يطمح إلى كسب ثقة المواطنين لا يحتاج إلى رفع منسوب الشتائم، بل إلى تقديم رؤية، وبرنامج، وحلول عملية لمشكلات الناس. أما تحويل الخطاب السياسي إلى ساحة للتنابز والإهانة، فلا ينتج إلا مزيدًا من الاحتقان، ويُضعف الثقة في العمل السياسي برمته.
لقد عرفت موريتانيا عبر تاريخها السياسي محطات خلاف حادة، لكن رجال الدولة الحقيقيين ظلوا يدركون أن للكلمة وزنًا، وأن الخصومة السياسية لا تبرر الانحدار الأخلاقي. فالمعارضة حق، والنقد ضرورة، غير أن كليهما يفقدان قيمتهما عندما يُغلَّفان بلغة الإسفاف.
إن سقوط الخطاب ليس مجرد خطأ لغوي، بل هو سقوط في تصور السياسة نفسها. فحين تعجز الفكرة، ترتفع الأصوات، وحين تضعف الحجة، تُستدعى الإهانة. وهكذا يصبح الخطاب شاهدًا على أزمة صاحبه أكثر مما يكون نقدًا لخصمه.
إن بلادنا بحاجة إلى منافسة في البرامج، لا في الشتائم؛ وإلى صراع في خدمة الوطن، لا في كسر هيبة المؤسسات أو إفساد الذوق العام. فالمواطن يستحق أن يسمع نقاشًا يرفع وعيه، لا خطابًا يهبط بمستوى الحياة السياسية.
ويبقى احترام الخصم السياسي علامة قوة لا ضعف، ودليل ثقة لا تردد. أما من يجعل من السباب وسيلته، فإنه يعلن – من حيث لا يشعر – سقوط خطابه قبل أن يسقط خصمه.
وأخيرا فالنسأل أنفسنا أو فل يسألوا هم أنفسهم ما مردودية العبارات التالية على قائليها ومامدى إسهامها في خلق وعي وطني شامل وهل ترتقي بصاحبها إلى مصاف القادة والسياسيين (اكويذبين- ازفيط-احويكرينهم ...)!!!!؟
قد تلقى هذه العبارات هوى في نفوس بعض السذج لكنها في الحقيقة سهام قاتلة ترتد إلى نحور مستخدميها فتهوي بهم فى درك الإنحطاط وتبعدهم ٱلاف الأميال عن مقاصدهم فالشعوب لا تقل فياد بالطيش والرأي لا يخلق بالحدة والنزق.
محمد سالم الواذان




