في المجتمعات التي تتصالح مع الزيف، لا يعود الاستبداد بحاجة إلى القوة؛ فالصمت يتكفل بالمهمة.
لا تموت الأمم حين تُهزم في معاركها، بل حين تتصالح مع الهزيمة داخل وعيها، وعندها لا يعود الخوف مجرد رد فعل، بل يتحول إلى أسلوب حياة، ويغدو الصمت حكمة، وتصبح السلامة بديلاً عن الحقيقة، وتُعاد صياغة الانكسار بوصفه عقلانية، وأخطر ما يواجه المجتمعات ليس القمع وحده، بل قبول القمع، إذ يبدأ التحول الصامت حين يتعلم الإنسان أن يخاف دون إكراه، وأن يصمت دون أمر، وأن يبرر عجزه بوصفه توازناً، والخوف في أصله غريزة تحمي الحياة، لكنه حين ينتقل من الفرد إلى الجماعة يتحول إلى نظام غير مرئي يحدد ما يُقال وما يُمنع، فلا يعود حماية بل قيدًا ناعمًا، تُكافأ الطاعة، ويُهمَّش الصدق، ويُعاد تعريف الحكمة بوصفها حذرًا دائمًا من الحقيقة، وقد لمح ابن خلدون إلى أن انهيار الأمم يبدأ من تآكل روحها الجامعة، فإذا ضعفت هذه الروح أصبح المجتمع قابلاً لقبول ما كان يرفضه، وفي لحظة لاحقة لا تعود الحقيقة مرجعًا بل تصبح الصورة بديلًا عنها، ينجح الخطاب أكثر من الفعل، ويُقاس الواقع بما يبدو لا بما يكون، وتتشكل سلطة الانطباع، ويعيش الناس داخل تمثيل للواقع لا داخل الواقع نفسه، ومع هذا الانزياح يفقد الكذب استثنائيته ويصبح لغة يومية، ويذوب الحد بين الحقيقة والزيف حتى يصبح الشك هو القاعدة، ولا يمكن للاستبداد أن يستمر دون بيئة اجتماعية تعيد إنتاجه، فحين يصبح الصمت أكثر أمانًا من القول، والتكيف أكثر نفعًا من المواجهة، يتحول النفاق من سلوك فردي إلى بنية اجتماعية، ويصبح النجاح هو النجاة لا الحقيقة، ويغدو الإنسان شريكًا غير واعٍ في إنتاج شروط خضوعه، وقد أشار بيير بورديو إلى أن الهيمنة الأقوى هي التي تُمارس عبر القبول الرمزي لا عبر القوة المباشرة، حين يُقنع الناس بأن ما هو قائم هو الوحيد الممكن، وفي هذا السياق يتراجع دور المثقف من شاهد على الحقيقة إلى مبرر لها، فتفقد الثقافة وظيفتها النقدية وتتحول إلى تهدئة للوعي، ويحذر حنة آرندت من أخطر لحظات الانحدار حين لا يكون الجهل هو المشكلة بل التكرار غير النقدي للأفكار الجاهزة، حيث يُستبدل التفكير بالمحاكاة، فلا يعود المثقف ضميرًا بل يصبح جزءًا من آلية الاستقرار حتى لو كان هذا الاستقرار قائمًا على خلل، وتتعثر مشاريع النهضة ليس فقط لغياب الموارد بل لغياب السؤال، فالمجتمعات التي تخاف الاختلاف لا تنتج إبداعًا، والتي تقدس الطاعة لا تنتج معرفة، والتي تستبدل الحقيقة باليقين الزائف تعيد إنتاج أزماتها بأدوات أكثر حداثة، ويشير إريك فروم إلى أن الإنسان قد يهرب من الحرية لأنها تثقل كاهله بالمسؤولية فيختار أمانًا وهميًا على مواجهة الحقيقة، والطغيان لا يُفرض دائمًا من الخارج بل يُبنى من الداخل، حين يصبح الخوف عادة والصمت سلوكًا يوميًا يتحول الاستبداد إلى جزء من الوعي ذاته، وعندها لا يعود السؤال من يحكم بل لماذا نقبل أن نحكم بهذه الطريقة، ومع تراكم الخوف يتحول الصمت إلى لغة اجتماعية فلا يعود السؤال ما الحقيقة بل ما الممكن قوله دون خطر، وهكذا تُدار الحياة وفق منطق البقاء لا منطق المعنى، ويُستبدل البحث عن الحقيقة بإدارة الحذر حتى تفقد الجماعة قدرتها على تخيل بدائل لواقعها، والنهضة لا تبدأ من الخارج بل من داخل الوعي، من كسر العلاقة المرضية مع الخوف، فالأمم لا تنهار حين تفقر بل حين تتنازل عن حقها في الحقيقة، وحين يصبح الخوف فضيلة تكون الأمة قد قبلت العيش داخل الوهم، لكن حين يستعيد الإنسان حقه في القول والفعل والتفكير تبدأ أولى خطوات الخروج من زمن الانكسار.
حمادي سيدي محمد آباتي




