الطائفية المقنعة... حين تتسلل السردية الإمامية إلى خطابناا الثقافي

بواسطة yahya

 

لا أرى أن الأستاذ محمد عبد الله ولد بين قد بالغ في نقده، بل ربما اكتفى بالحد الأدنى الذي تقتضيه الأمانة العلمية أمام خطاب يحمل، في مضمونه ومصطلحاته، سمات السردية الإمامية أكثر مما يعكس القراءة التي استقر عليها جمهور علماء أهل السنة والجماعة.

فمصطلحات من قبيل "الولاية المنصوصة" و"الخلافة التي انتزعت بالغلبة" ليست ألفاظًا عابرة، وإنما هي مفاتيح مشروع فكري متكامل، ظل عبر قرون يؤسس قراءته للتاريخ الإسلامي على أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن الصحابة صرفوا الأمر عنه.

وليس خافيًا أن هذه السردية تستند إلى تأويلات خاصة لجملة من الوقائع والنصوص؛ فتستدل بحديث: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»، وتمنحه دلالة على الخلافة، كما تفسر قضية جيش أسامة بن زيد على أنها محاولة من النبي صلى الله عليه وسلم لإبعاد كبار الصحابة حتى تؤول الخلافة إلى علي، ثم تجعل ما جرى في السقيفة انقلابًا على ذلك، وتضيف إلى ذلك روايات تتعلق بما وقع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما يُروى بشأن بيت السيدة فاطمة رضي الله عنها. وهذه كلها تمثل بناءً تاريخيًا وعقديًا معروفًا عند الإمامية، بينما ينازع جمهور علماء أهل السنة في ثبوت كثير من تلك الروايات أو في دلالاتها، ولا يعدونها حقائق تاريخية مسلَّمًا بها.

ولهذا فإن من يكرر هذه المصطلحات أو يتبنى هذه القراءة، بقصد أو بغير قصد، يكون قد انتقل من مجرد قراءة التاريخ إلى إعادة إنتاج خطاب مذهبي له حمولته العقدية والسياسية، وهو ما يستوجب التنبيه إليه.

ولا أزعم أن بيننا انتشارًا للتشيع بالمعنى المذهبي، ولكن من الإنصاف أن نقول إن بعض الخطابات أخذت تستعير مفردات السردية الشيعية ومنهجها في قراءة التاريخ، ثم تقدمها في ثوب فكري أو ثقافي جديد، دون التصريح بمصدرها. وهذه الظاهرة هي التي تستحق النقاش، لأنها أخطر من الإعلان الصريح، إذ تتسلل إلى الوعي في صورة مسلمات تاريخية لا بوصفها اجتهادات مذهبية محل نزاع.

إن الخلاف بين المسلمين لا يعالج بإحياء أكثر الروايات إثارة للانقسام، ولا بإعادة محاكمة جيل الصحابة رضي الله عنهم بمنطق الصراعات المذهبية اللاحقة، وإنما بالرجوع إلى المنهج العلمي، والتمييز بين النصوص القطعية والروايات المختلف فيها، وبين العقيدة الثابتة والقراءة التاريخية البشرية.

ومن هنا تبرز قيمة مقال الأستاذ محمد عبد الله ولد بين؛ لأنه لم يكتف بالرد على عبارة، بل كشف الخلفية الفكرية التي تنتمي إليها، ونبّه إلى خطورة تسرب هذه السرديات إلى خطابنا الثقافي والدعوي، في وقت أحوج ما تكون فيه الأمة إلى ترسيخ المشتركات، لا إلى استيراد أسباب الفرقة وإعادة تدويرها.

حمادي سيدي محمد آباتي