مقطع لحجار بين منطق التعيين ومنطق التنمية

بواسطة yahya

مكطع لحجار بين منطق التعيين ومنطق التنمية

تستطيع السلطة أن تكسب رضا أفراد بالتعيين، لكنها لا تستطيع أن تكسب ثقة مجتمع بالتعيينات وحدها. فالمواطن لا يقيس نجاح المسؤول بعدد المناصب التي وزعها، بل بعدد الأزمات التي أنهى، والمشروعات التي أنجز، والحقوق التي أعادها لأصحابها.

ويحسب للوزير الأول أنه فتح باب التعيين أمام عدد من أبناء مكطع لحجار، بمختلف انتماءاتهم ومشاربهم. غير أن هذا المعطى، مهما كانت أهميته، لا يعفي من سؤال أكبر وأكثر إلحاحاً: ماذا قدمت الدولة للمقاطعة نفسها؟

فمكطع لحجار لا تزال تعيش مفارقة مؤلمة؛ إذ أصبحت معروفة بكثرة ما ينسب إليها من تعيينات، بينما بقيت تعاني من أبسط مقومات الحياة. فمن غير المقبول أن تتحول الوظيفة إلى العنوان الأبرز لمقاطعة لا يزال العطش يرهق سكانها، والعزلة تقطع أوصالها، والخدمات الصحية فيها دون مستوى الحد الأدنى من تطلعات المواطنين.

وأولى الأولويات هي الماء. فلا معنى لأي حديث عن التنمية ما دام المواطن يبحث يومياً عن قطرة ماء. إن معالجة الاختناقات والفتحات التي تؤثر في الشبكة المائية بين مكطع لحجار وشكار، وتأمين وصول المياه بانتظام، ثم تعميم شبكات التوزيع على القرى والتجمعات السكانية، ليست منّة من أحد، وإنما هي واجب الدولة وحق أصيل للمواطن.

وتأتي بعد ذلك شبكة الطرق، لأنها المدخل الحقيقي إلى التنمية. فالطريق الرابط بين شكار – كادل – مكطع لحجار لم يعد مجرد مشروع مؤجل، بل أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية وإنسانية. وكذلك الطريق الرابط بين مكطع لحجار – جونابة مروراً بـواد آمور، الذي يخدم عدداً كبيراً من القرى والتجمعات. إن هذه الطرق ليست مجرد إسفلت، بل هي مدارس يصل إليها التلاميذ، وسيارات إسعاف تنقذ الأرواح، وأسواق تتحرك، واستثمارات تجد طريقها إلى المنطقة.

أما الصحة، فلا يجوز أن تبقى الحلقة الأضعف. فالمطلوب إنشاء نقاط صحية في التجمعات الكبرى، وتوسعة المركز الصحي في مكطع لحجار، وتزويده بالأطباء الأخصائيين، والمخبريين، والتجهيزات اللازمة، حتى لا يبقى المرضى أسرى السفر والمعاناة بحثاً عن علاج كان ينبغي أن يجدوه في مقاطعتهم.

أما التعيينات، فإن قيمتها الحقيقية لا تقاس بعددها، وإنما بمعاييرها. فالشفافية لا تتحقق إلا عندما تكون الكفاءة والخبرة والنزاهة هي أساس الاختيار. وإذا كان في المقاطعة موظفون عرفوا بالاستقامة، وتراكمت لديهم الخبرة، وظلوا بعيدين عن مواقع المسؤولية، بينما يتكرر حضور أسماء أخرى، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول مدى اتساع دائرة الفرص، وحول الحاجة إلى ترسيخ معايير أكثر عدلاً وموضوعية في الاختيار.

إن التنمية ليست مكافأة تمنح، بل حق يكفله الدستور لكل المواطنين. والتعيين، مهما كان أثره، يظل منفعة فردية، أما التنمية فهي منفعة عامة. التعيين قد يغير حياة شخص، أما الماء والطريق والمستشفى فيغيرون حياة أجيال كاملة.

ولذلك فإن أبناء مكطع لحجار لا يطلبون امتيازاً، ولا يبحثون عن حصة أكبر من المناصب، وإنما يطالبون بحقهم في أن تصبح مقاطعتهم حاضرة في مشاريع الدولة كما هي حاضرة في قوائم التعيينات. فحين يصل الماء إلى كل بيت، وتمتد الطرق إلى كل تجمع، وتتوفر الرعاية الصحية لكل مواطن، سيكون الحديث عن الإنجاز حديثاً لا يحتاج إلى دعاية، لأن الواقع نفسه سيتكفل به.

والتنمية، في نهاية المطاف، هي اللغة الوحيدة التي لا يختلف عليها المواطنون، وهي الإنجاز الوحيد الذي يبقى عندما تغادر الأسماء مواقعها، ويكتب التاريخ صفحاته الأخيرة.

حماد سيد محمد آباتي