البعد الإماني في فكر البعث: قيمة إنسانية لا دينية

بواسطة yahya


حسن خليل غريب
المقدمة
يُخطئ كثيرون حين يخلطون بين الإيمان كقيمة إنسانية وبين الإيمان كمنظومة دينية مغلقة. فالفكر القومي البعثي لا يستمد شرعيته من النصوص المقدسة، بل من قدرته على توحيد المجتمع حول قيم الحرية والعدالة والمساواة. إن التمييز بين الدين الروحي الذي يفسر الكون والإنسان، وبين الدين السياسي الذي يسعى لفرض شرائع على الحياة الدنيوية، هو المدخل الأساس لفهم أن الإيمان في فكر البعث ليس دينياً بل بُعداً قيمياً يهدف إلى بناء مجتمع متماسك بعيداً عن الانقسامات المذهبية.
كثيراً ما نرى العلمانيين يُضفون على الإيمان أوصافاً دينية، فهم لن يستطيعوا الدفاع عن مواقفهم وأن يثبتوا عليها، والسبب أنهم لن يستطيعوا أن يكتسبوه بكفاءة المتدينين، ويُخشى من أنهم إذا أرادوا العودة إلى منهجهم العلماني من أن ينسوه، فيخسروا المنهجين معاً. فهم لن يُفلحوا في اكتساب الإيمان الديني بمهارة المتدينين، ولن يعمقوا أفكارهم الروحية على قاعدة علمانية توحِّد أبناء مجتمعهم بديلاً للتفرقة والتفتيت.
والأمر كذلك نرى من الضروري أن نميَّز بين الاتجاهين الدينيين: الديني ذو العمق الروحي الذي يفسر الكون والإنسان، والديني السياسي ذي العلاقة بتطبيق ما يحسب دعاته شرائع الله على حياة البشر الدنيوية.
من المعروف أن الفكر الديني المذهبي أصبح بديلاً للفكر الديني، وأخذ يشكل خطورة على مسيرة المجتمعات القومية. ولأن على أرض العرب وُلدت كل الأديان السماوية، وهي نعمة روحية بلا شك، إلاَّ أنها ليست خالية من نقمة أيضاً. فكثرة الأديان على الأرض العربية ولَّدت كثرة في المذاهب. فتميزت بتعددية في الأديان وتعددية أكثر في المذاهب.
ولأن الإبقاء على تلك التعددية أو تقليصها ليست متيسرة لأية قوة، فقلتها أو كثرتها ملك يمين رجال الدين وحدهم، ولأن في التراجع خوفاً من الاصطدام مع الجماهير تسجيل لأكثر من نقطة انتصار للحركات السياسية الإسلامية كان لا بُدَّ للفكر القومي من الوقوف بعقلانية أمام تلك المخاوف لنرى هل هي مخاوف مشروعة وحقيقية أم أنها مجرد هواجس وأوهام؟
إذا كنا قد اعتنقنا الفكر القومي بسبب من صلاحيته في تأمين وحدة المجتمعات، فلا شك بأننا قد استندنا إلى أسباب واضحة ومقنعة. وما كان اعتناقنا له إلاَّ لأن الفكر السياسي الديني يفتقد عامل الإقناع. فلماذا نخشى، إذاً، أن نبرز عوامل الضعف فيه ونشدد على عوامل القوة في الفكر القومي؟
ومن بعض تلك الثغرات ما يلي:
-البديل للدولة الدينية دولة قومية علمانية. والسبب أن الدولة الدينية لا تشكل جامعاً مشتركاً بل مصدراً للتفتيت.
-البديل للتشريع الديني تشريع علماني. فالتشريع الديني مكبَّل بالمقدس، أما التشريع العلماني فهو عرضة للتجديد والإغناء آخذاً بالاعتبار مصلحة البشر في التطور. يرى الفقه الإسلامي أن ما جاء من نصوص في الكتاب والسنة هي نصوص تعبِّر عن الحقيقة المطلقة في كل زمان ومكان، وأنها صالحة لكل زمان ومكان. لهذا حرَّموا نسخ أي حكم من أحكامهما. يفعلون ذلك على الرغم من أن متغيرات العلاقات بين الدول، ومن خلال التشريعات الأممية قد فرضت النسخ على كثير من أحكام الفقه الإسلامي.
أما معتنقو الفكر القومي، فلا يعتقدون بثبات أحكام الشرائع الدينية، وإلا لو كان العكس هو الصحيح لكان عليهم أن يرفضوا أية تشريعات أخرى غير التشريعات الدينية. ولأن الفكر القومي، نسخ الكثير من أحكام الشرائع الدينية، ومنها الإسلامية، أصبح لزاماً عليهم أن يقابلوا مسألة نقد الفكر الديني بكل جرأة ثورية.
فليس من الواقعي أن تكون أحكام الإسلام هي أحكام نهائية ومطلقة، وليس من الصحيح أنه لا يمكن أن تقوم أية مرجعية دينية بنسخ واحد أو أكثر من الأحكام التي وضعتها الشريعة الإسلامية. فالمرور من بوابة رفض أحكام دينية شرعية إلى اعتناق أحكام قومية وضعية لا يمكن أن يتم من دون معالجة قواعد الناسخ والمنسوخ، المعمول به في الفقه الإسلامي، بنقد موضوعي. لأنه لو اعتقد القوميون بصلاحية تثبيتها لأصبح من غير الميسور لهم أن يتبنّوا شرائع أخرى غير الشرائع الإسلامية.
إنه بمقدورنا أن نستنبط من خلال النصوص والأحداث الإسلامية، التي واكبت حياة الرسول، أسباباً تدل على أن قواعد الناسخ والمنسوخ ليست ثابتة على الإطلاق، بل إنها تعني التجديد وليس التجميد. 
كما أن ما يدفعنا إلى الاقتناع، ولو بشكل نظري، بأهمية تأسيس فكر قومي متميَّز عن الفكر الديني، هو أن الحركة الفكرية التجديدية إذا لم تتميَّز عن الحركة الفكرية السابقة، وإذا لم تقترن بجرأة وثورية في التبشير، أي إذا بقيت تدور في فلك الحركة السابقة، فلن تشهد التيارات القومية تقدماً يُذكَر وسوف تبقى أسيرة لرغبات الجماهير، فبدلاً من أن تقودها نحو آفاق فكرية جديدة، ستكون منقادة لثقافة الجماهير تحت حجة منع الاصطدام بها.
الخاتمة
إن تأسيس فكر قومي متمايز عن الفكر الديني ضرورة تاريخية لضمان وحدة المجتمعات العربية وتحريرها من قيود المذهبية. فالإيمان في مشروع البعث ليس طقساً دينياً، بل رؤية إنسانية تُعلي من قيمة الإنسان وتضع التشريع في خدمة تطوره. بهذا المعنى، يصبح البعد الإيماني ركيزة أخلاقية للفكر القومي، لا أداة للتفتيت أو الصراع.