بقلم : الأستاذ
زياد أحمد المنجد
كاتب صحفي
الثامن من آب 2023م
تمر هذه الأيام ذكرى ... اليوم الذي أجبر فيه نشامى العراق وأبطاله ، الخميني على الرضوخ لصوت الحق العراقي ، والاعتراف بهزيمته العسكرية وابتلاع أكبر هزيمة سياسية في تاريخ نظامه الطائفي، ففي صيف عام 1988، وبعد ثماني سنوات من الحرب التي أشعلتها شعارات “الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء واستمرار الحرب حتى إسقاط بغداد”،
وجد الخميني نفسه أمام حقيقة لا يمكن إنكارها:
المشروع العسكري الذي وعد به أتباعه انهار، ولم يعُد أمامه سوى قبول وقف إطلاق النار.
لم يكن قبول القرار الأممي انتصاراً ... كما حاولت طهران تسويقه لاحقاً، بل كان اعترافاً صريحاً بالفشل، حتى إن الخميني نفسه وصفه بأنه “أشد مرارة من تجرع كأس السم”.
لم يقل ذلك مجازاً، بل لأنه كان يعلم أن آلاف القتلى الذين سقطوا في السنوات الأخيرة من الحرب ... كان يمكن إنقاذهم لو قبلت القيادة الإيرانية مبادرات السلام التي طُرحت قبل ذلك بسنوات ( أي منذ الأسبوع الأول تحديدا ً ) .
لقد دفع العراق ثمناً باهظاً في تلك الحرب، وقدم مئات الآلاف من الشهداء دفاعاً عن أراضيه وسيادته ، بينما كانت القيادة الإيرانية ترفض كل دعوة لوقف القتال ، معتقدة أن الزمن يعمل لصالحها، لكنها اكتشفت في النهاية ... أن الشعارات الثورية لا تصمد أمام الحقائق العسكرية والاقتصادية، وأن الدول تُدار بالحسابات لا بالشعارات.
واليوم يبدو المشهد مألوفاً ، فالنظام الإيراني ما زال يتصرف بالعقلية نفسها ، لاالتي حكمت قراراته في ثمانينيات القرن الماضي. فهو يراهن على عامل الوقت، ويرفض تقديم التنازلات، ويعتقد أن خصومه سيتراجعون أولاً،
لكن التاريخ الإيراني نفسه يقول العكس؛
فكلما وصل الضغط إلى مستوى يُهدد بقاء النظام، تتبدل اللغة فجأة، وتتحول الشعارات إلى مفاوضات، والتهديدات إلى تنازلات.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ، يبدو وكأنه قرأ هذه الصفحة جيداً،
فهو لا يكرر سياسة المساومات الطويلة، بل يعتمد على مبدأ بسيط:
ممارسة أقصى درجات الضغط حتى يدرك النظام الإيراني أن تكلفة الرفض أصبحت أعلى من تكلفة القبول.
وقد يكون هذا هو الدرس الأبرز ، الذي خرجت به واشنطن من تجربة حرب الثماني سنوات؛
فالنظام الإيراني لا يتراجع لأنه اقتنع، بل لأنه يُجبر على التراجع ... عندما تضيق أمامه الخيارات.
لقد أثبتت التجربة ، أن القيادة الإيرانية كثيراً ما بالغت في تقدير قوتها، كما بالغت في تقدير قدرة شعبها على تحمل الحروب والعقوبات. لكنها في اللحظة الحاسمة كانت تعود إلى الواقعية، ليس حباً بالسلام، وإنما حفاظاً على بقاء النظام.
ولذلك ... فإن ذكرى “كأس السم” ليست مجرد مناسبة تاريخية، بل إنذار سياسي يتكرر، فهي تقول: إن النظام الذي رفض السلام سنوات طويلة اضطر في النهاية إلى قبوله تحت ضغط الوقائع، وليس نتيجة تغيير في المبادئ. واليوم تتكرر الظروف بصيغة مختلفة؛ ضغوط اقتصادية خانقة، وعزلة دولية، وتراجع نفوذ بعض الأذرع الإقليمية، ومواجهة مع الولايات المتحدة لا تملك طهران فيها ميزان القوة نفسه الذي تتحدث عنه في خطاباتها.
قد ينجح النظام الإيراني في كسب الوقت ، وقد يرفع سقف التهديدات، لكنه لا يستطيع تغيير قوانين السياسة،
فالتاريخ أثبت أن من يرفض التسويات المعقولة في بدايتها، ينتهي غالباً إلى قبول تسويات أشد قسوة في نهايتها.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه في ذكرى “كأس السم” هو :
هل يحتاج ملالي طهران إلى كأس سم ٍ جديد ... حتى يدركوا أن سياسة تصدير الأزمات وإدارة المنطقة - عبر الميليشيات - لم تعد قادرة على فرض إرادتهم؟
أم إنهم سيتعلمون هذه المرة ... قبل أن يُجبرهم ميزان القوة مرة أخرى على تجرع الكأس نفسها؟




