ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقا
تُثبت الشواهد التاريخية والمحطات المفصلية منذ عام 1979 وحتى اليوم، أن الخطاب الإعلامي الأمريكي الصاخب حول “إسقاط النظام الإيراني” ليس سوى ملهاة جيوسياسية كبرى ، إن الحقيقة السياسية العارية تؤكد أن الولايات المتحدة لا تريد إسقاط النظام الإيراني، بل تريد بقاءه نظاماً محجماً “بلا أنياب نووية” فقط. هذا البقاء هو حجر الزاوية في استراتيجية واشنطن لإدارة الشرق الأوسط، والمبرر الأول لاستمرار تدفق مبيعات السلاح، وضمان عمل المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، وإدامة المخاوف الإقليمية لضمان التبعية الأمنية ضمن استراتيجية مرسومة بعناية منذ نصف قرن.
هندسة “العدو المفيد”: رؤية كيسنجر وبريجنسكي
لم تكن السياسة الأمريكية تجاه طهران يوماً وليدة الصدفة أو ردود أفعال عفوية، بل بُنيت على تعقيد فكري صاغه كبار مهندسي الأمن القومي الأمريكي، الذين نظروا إلى إيران كـ “أداة وظيفية” لخدمة المصالح الجيوسياسية العليا لواشنطن.
1. هنري كيسنجر: “لعبة ميزان الرعب”
كان ثعلب الدبلوماسية الأمريكية هنري كيسنجر ينطلق دائماً من المدرسة الواقعية (Realpolitik) التي لا تقيم وزناً للشعارات الأخلاقية، بل ترتكز على “توازن القوى” وإدارة الأزمات بدلاً من حلها.
كان كيسنجر يرى أن وجود نظام مؤدلج ومثير للمخاوف في طهران هو “ميزان رعب” مثالي ونعمة استراتيجية لواشنطن؛ إذ يحقق تلقائياً اندفاع دول الجوار نحو المظلة الأمنية الأمريكية دون حاجة لإقناعها، مما يضمن تدفقاً دائماً لعقود التسليح وصيانة القواعد. وكان يحذر دائماً من أن إسقاط النظام كلياً قد يفرز نظاماً قومياً وطنياً قوياً ومستقراً، يعيد صياغة المنطقة بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، أو يولد فوضى غير مسيطر عليها تضر بالتدفق الآمن للنفط. ومن أبرز اقتباساته في هذا الصدد:
“على إيران أن تقرر ما إذا كانت دولة أم بعثة دينية؛ فإذا كانت دولة، فيمكننا التعامل معها وفق توازنات المصالح، وإذا كانت بعثة، فإن احتواءها الممنهج هو الطريقة المثلى لإدارة صراعات المنطقة.”
وفي موضع آخر يشير إلى فلسفة التوازن:
“الولايات المتحدة لا تبحث عن تغيير الأنظمة من أجل الديمقراطية، بل تبحث عن توازن قوى يمنع أي قوة إقليمية من الهيمنة المنفردة على مقدرات الطاقة.”
2. زبيغنيو بريجنسكي: “قوس الأزمات” والمصيدة الجيوسياسية
في المقابل، صاغ مستشار الأمن القومي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي مفهوم “قوس الأزمات” الذي يمتد من الشرق الأوسط عبر المحيط الهندي إلى جنوب آسيا، وكانت إيران في قلب هذه الرؤية.
بالنسبة لبريجنسكي، كان بقاء النظام الثيوقراطي بخطابه المتطرف يخدم استراتيجية “حائط الصد” لعزل الطموحات الروسية والصينية جنوباً، ومنع قيام أي تحالف إقليمي عربي-إسلامي مستقل قد يهدد المصالح الغربية. كان بريجنسكي يرى في إيران “خطراً محسوباً وقابلاً للضبط”، وأن مواجهة النظام عسكرياً بهدف إسقاطه هي حماقة ستدمر الهندسة الأمريكية للمنطقة؛ لذا دعا دائماً إلى الحوار والاحتواء الذكي الذي ينهك إيران داخلياً ويمنعها من الانهيار الكامل، مع إبقائها مصدر تهديد مستمر لجيرانها. ويقول بريجنسكي في أحد اقتباساته الشهيرة:
“إن الهجوم العسكري على إيران لاستئصال نظامها سيكون كارثة استراتيجية لأمريكا، علينا استخدام هذا النظام في لعبة التوازنات الكبرى، فالخوف المشترك في المنطقة هو الصمغ الذي يربط حلفاءنا بنا.”
وفي كتابه (رقعة الشطرنج الكبرى) يوضح الفلسفة الأشمل:
“السيطرة على أوراسيا تتطلب إبقاء منطقة الشرق الأوسط في حالة سيولة مستمرة، بحيث لا تظهر قوة مهيمنة واحدة قادرة على تحدي النفوذ الأمريكي.”
مفارقة العراق وإيران: تعمد واشنطن إبقاء طهران وتجاهل البدائل
يتجلى عدم صدق الإدارة الأمريكية عند مقارنة سلوكها تجاه النظام العراقي السابق بسلوكها المريب والمائع مع النظام الإيراني، ففي حين توفرت لواشنطن كل الأوراق لتجهيز البديل السياسي الإيراني، اختارت إهماله لكي لا يسقط الملالي:
* الجهوزية الكاملة للمعارضة الإيرانية: تملك الساحة الإيرانية بدائل مدنية وسياسية بالغة القوة والتأثير، وعلى رأسها ابن الشاه، رضا بهلوي، الذي يحظى برمزية تاريخية جارفة لدى النخب الليبرالية ويمثل خياراً حقيقياً لنظام حكم مدني ومستقر يتطلع إليه الداخل الإيراني الناقم على سلطة رجال الدين. بالتوازي مع ذلك، يتواجد تنظيم “مجاهدين خلق” بامتلاكه قيادة شديدة التنظيم والترتيب والنشاط في باريس وعموم أوروبا، ولديه قدرة هائلة على الحشد الداخلي والخارجي، ومع ذلك تتعمد الإدارات الأمريكية تهميش هذه الكيانات سياسياً.
* إدارة ترامب.. صخب بلا طحين: عندما رفعت إدارة دونالد ترامب شعار “الضغط الأقصى” ضد طهران، كان بمقدورها ببساطة اتخاذ تحضير سياسي حقيقي لتشكيل “حكومة في المنفى” أو مجلس انتقالي إيراني، لكن واشنطن صمتت صمت القبور عن أي ترتيب من هذا النوع. لقد كان جلياً أن الضغط يهدف للتحجيم والابتزاز، وليس للإسقاط والتغيير.
* المقارنة الفاضحة مع الحالة العراقية: يتضح الدليل الدامغ على نفاق واشنطن عندما نتذكر ما فعلته لإسقاط النظام الوطني السابق في العراق. آنذاك، عندما اتخذت أمريكا قراراً حقيقياً بالتغيير، نظمت المعارضة العراقية وهندست لها مؤتمرات دولية كبرى (في لندن وصلاح الدين والنيويورك)، وقامت بتسليح فصائلها، ووفرت لها أعتى غطاء سياسي ودبلوماسي واقتصادي على وجه الأرض، وأسست لها منصات ومجالس أنجبت لاحقاً “مجلس الحكم”.
هذا التناقض الصارخ يثبت بالبرهان القاطع أن غياب “التحضير السياسي” للبديل الإيراني من قِبل واشنطن هو قرار استراتيجي متعمد لإبقاء طهران في مربع السلطة، وحرمان المعارضة الليبرالية ومنظمات مثل مجاهدين خلق من إقامة نظام مدني مستقر يُنهي حالة التوتر في المنطقة ويحرم أمريكا من “شماعة التهديد”.
( لجم السقوط: خطوط واشنطن الحمراء)
لاحت تاريخياً فرص كبرى لسقوط نظام الملالي؛ بدءاً من استنزافه الشديد في الحرب الإيرانية العراقية، وصولاً إلى الضربات العنيفة والقاصمة التي وجهتها إسرائيل وأمريكا لشبكات أذرعه الإقليمية وقياداته العسكرية ونقاط قوته الحساسة.
لكن المفارقة المتكررة، أنه في كل مرة يقترب فيها النظام من “نقطة الانهيار الحتمي”، تتدخل واشنطن لفرملة العمليات العسكرية، وتفرض خطوطاً حمراء خلف الكواليس لمنع انهيار الهيكل الأساسي للنظام. أمريكا تريد استنزاف إيران وأذرعها، لكنها تتدخل فوراً لمنع سقوط الرأس، لأن غياب هذا “البعبع” يعني انتهاء مبرر وجود القواعد الأمريكية وضياع مبيعات تريليونات الدولارات من السلاح.
الاستراتيجية الوطنية المطلوبة لبلدان المنطقة
إزاء هذا النهج الأمريكي الثابت والمخادع، لم يعد ممكناً لدول المنطقة الاعتماد على “الوهم الأمريكي” لحمايتها. إن الاستراتيجية الوطنية والإقليمية البديلة يجب أن تقوم على المحاور التالية:
1. تصفير الأزمات البينية: تفكيك الذرائع الأمريكية عبر بناء شبكة مصالح أمنية واقتصادية مباشرة بين دول المنطقة (عربية وإقليمية)، والاعتماد على الدبلوماسية الذاتية لإدارة الصراع مع طهران.
2. تنويع الشراكات الاستراتيجية: كسر الاحتكار الأمريكي للأمن عبر تعميق العلاقات العسكرية والسياسية مع أقطاب دولية أخرى كالصين وروسيا وأوروبا، مما يحرم واشنطن من استخدام ورقة “الابتزاز الأمني”.
3. توطين الصناعات الدفاعية: الانفصال التدريجي عن الاعتماد الكلي على السلاح الأمريكي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي الدفاعي بالشراكة مع قوى صناعية صاعدة.
4. الاختراق الناعم للداخل الإيراني: بناء قنوات اتصال وتفاهم ودعم (غير معلن) مع قوى المعارضة الإيرانية والشعوب غير الفارسية داخل إيران، ليكون قرار التغيير نابعاً من مصالح المنطقة المشتركة، لا وفق التوقيت والمصالح الأمريكية.
الخاتمة ملامح المشهد القادم مستقبلياً
تشير المعطيات إلى أن اللعبة الأمريكية الإيرانية تقترب من مرحلة “الإنهاك المتبادل”. لن تسقط أمريكا النظام الإيراني بقرار عسكري خارجي، بل ستستمر في الحفاظ عليه كـ “جثة غير ميتة” تحكم بالخوف، مع مواصلة تقليم أظافره النووية والصاروخية كلما طالت وتجرأت.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو الأمريكي سيصطدم بحتميتين مستقبليتين:
* أولاً: الانهيار الداخلي الإيراني بفعل التآكل الاقتصادي والرفض الشعبي العارم، وهو ما سيفاجئ واشنطن كما فاجأها سقوط الاتحاد السوفيتي، ولن تستطيع منع سقوط النظام من الداخل إذا تحركت الملايين مجدداً بلا خوف وبدعم شعبي كاسح لقوى المعارضة.
* ثانياً: وعي دول المنطقة المتزايد، والتي بدأت بالفعل في تبني سياسات تصالحية وبراغيماتية (مثل المصالحات الإقليمية برعاية صينية ودولية)، وهو ما سيؤدي تدريجياً إلى “تفريغ الاستراتيجية الأمريكية من محتواها”.
في نهاية المطاف، سيكتشف المجمع الصناعي العسكري الأمريكي أن لعبة “العدو المستدام” قد استُهلكت، وأن الشرق الأوسط الجديد سيبني أمنه بيده، تاركاً واشنطن تواجه أزمات تراجع نفوذها العالمي بمفردها.
بقلمالدكتوركريم فرمان




