عندما يتحدث بيرام عن المعنى

بواسطة yahya

Image removed.

في مقاله الأخير المعنون بـ "استعادة معنى الحوار"، يسعى النائب بيرام ولد الداه ولد اعبيد إلى إعادة تسويف أوهامه وفق مقاسه المعهود ، مقدماً طيفاً من المبررات والمسوغات للتخلف عن ركب الإجماع الوطني. لكن القراءة المتأنية للسطور وما بينها تكشف أن المقال لا يعدو كونه مناورة سياسية صريحة، الهدف منها تسويغ العزلة السياسية، وتفريغ فكرة "الحوار الوطني" من قيمتها التاريخية ، عبر تصويرها وكأنها أداة لتهميش أدوات العمل السياسي الأخرى أو حصار متعمد تفرضه السلطة.

 

يفترض الكاتب (لست على يقين من الكاتب) أن فتح باب الحوار السياسي هو بمثابة "حصار متعمد" يهدف إلى تحييد التعبئة الشعبية والعمل الميداني. وهذا الادعاء يتجاهل طبيعة الممارسة الديمقراطية في أرقى صورها؛ فالحوار لم يكن يوماً نقيضاً للنضال المدني، بل هو التتويج الطبيعي والأداة الحضارية الأرقى لتحويل المطالب إلى مكاسب مؤسسية ومنافع عامة.

إن محاولة إظهار السلطة وكأنها تفرض الحوار كـ "عقيدة سلب للحرية" تخدم هدفاً واحداً، و هو تشويه التوافق الوطني وصناعته، تمهيداً للهروب من استحقاقاته، والاحتفاظ بكرت "المظلومية السياسية" التي يتغذى عليها خطابه عند كل منعرج حاسم.

يلجأ بيرام إلى إلقاء كافة أسباب تراجع المعارضة الميداني او ما وصفه بعقاب الناخبين لها في صناديق الاقتراع على شماعة وزارة الداخلية والمسار التشاوري لعام 2022. وفي هذا تنصل واضح من التقييم الذاتي الحقيقي لأسباب الفشل الانتخابي.

 

والأنكى من ذلك هو تجاهله المتعمد  لـ المكاسب  التاريخية التي أفرزها اتفاق سبتمبر 2022 بين الحكومة وجميع الأحزاب السياسية، والتي شكلت قفزة نوعية في ديمقراطيتنا :

 1- اعتماد النسبة المطلقة في الانتخابات الجهوية والبلدية لضمان عدم إقصاء أي طرف وتوسيع قاعدة التمثيل.

 2 - إيجاد اللائحة الوطنية للشباب (مع نصيب مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة) وتمكين النساء عبر تعزيز حضورهن السياسي.

 3- إشراك الجاليات الموريتانية في الخارج لانتخاب نوابها في البرلمان بشكل مباشر لأول مرة.

 

 4-  إعادة هيكلة وتشكيل اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات (CENI) وضمان استقلاليتها المادية والإدارية 5- تحيين اللائحة الانتخابية عبر إحصاء إداري شامل.

 

إن وصف هذه التغييرات الجوهرية بـ "التعديلات الهامشية" يمثل استخفافاً بالإرادة التشاركية لكافة القوى السياسية التي صاغت هذا الاتفاق ووقعت عليه، ومحاولة للقفز على حقيقة أن نتائج صناديق الاقتراع كانت انعكاساً لخيارات الناخب الموريتاني الذي زهد في الخطابات الاستعراضية وبرامج الاستعطاف والشحن العرقي وفضل البرامج التنموية .

يتعامل النائب بيرام مع الحوار بمنطق "الإملاء و الاشتراطات"، محاولاً افتراء و فرض أجندة تتجاوز الحقيقة الساطعة كالشمس . فقد جاءت مبادرة رئيس الجمهورية لإنشاء فضاء حواري ديمقراطي متكافئ، يتجاوز منطق الأوزان البرلمانية أو الاستقواء بالمقاعد أو القواعد الشعبية (رغم أنه يتمتع باغلبية مريحة قادرة على تمرير ما يراه) وفضل أن تمثل القوى السياسية بالتساوي وبندية فكرية ومعنوية تامة .

 

وهو ما يفند دعوى "الأحادية والشيء الشكلي" بالنظر إلى الآليات العملية المعمول بها؛ إذ أُسست اللجان والنقاشات الوطنية على قاعدة التناصف التام بين الموالاة والمعارضة، مع الالتزام التام بتنفيذ المخرجات التي يتم التوافق عليها إجماعاً. هذا التصميم يضمن لكل قوة سياسية حق Veto متكامل ضد الإقصاء، ويضمن أن تكون النتائج نتاج توافق وطني جامع لا ملافتة طرف لطرف.

في فقرته المتعلقة بالقضايا الوطنية الكبرى (الإرث الإنساني، العبودية، التمييز، اللغات الوطنية، الملكية العقارية)، كتب النائب عن ضرورة   "انتفاضة جماعية"، مفصحاً عن نظرته المترسخة للحلول: رؤية تقوم على المفاصلة والصدمات  بدلاً من التراكم المؤسسي.

يسعى بيرام عمداً إلى تصوير الحوار وكأنه أداة عاجزة عن معالجة الملفات الوطنية الحساسة، مستهدفاً التشكيك في الشرعية والقدرة والجدية لجميع الفاعلين والشركاء السياسيين من موالاة ومعارضة، ليبقى هو -في خطابه المتكرر- الثابت الوحيد والصوت الفرد الصادق، في ممارسة صارخة للاحتكار الأخلاقي للوطنية والإصلاح.

تثبت التجربة السياسية أن سياسة الخروج عن الناظم الوطني والتغريد خارج السرب طالما كانت الورقة الرابحة لدى النائب للفت الانتباه والبقاء تحت أضواء البهرجة الإعلامية. خطة تبدأ بالتشكيك والتصعيد، وتمر عبر رفض التوافقات الوطنية، لتقف عند محاولة رفع "ثمن التوافق" واقتطاع الثمن السياسي قبل الدخول في أي مسار جامع.

بالنسبة لبيرام، يبدو أنه لا توجد قضية  وطنية تستحق النقاش بحد ذاتها؛ فالإصلاح في فلسفته مرتبط ارتباطاً شرطياً ومحشوراً حصرياً في سيناريو واحد: وصوله هو لشخصه إلى السلطة. وأي مسار وطني لا يخدم هذا التطلع الفردي يُصنّف فوراً كـ "جمود، وقيد، وتكريس للوضع القائم".

إن موريتانيا اليوم، وهي تواجه تحديات إقليمية واقتصادية بالغة التقرير، أحوج ما تكون إلى النضج السياسي الذي يستبدل المناورات الاستعراضية بالعمل التشاركي الهادئ. الحوار ليس غطاء للجمود، بل هو المضمار الحقيقي الذي تظهر فيه قوة الحجة وصدق النوايا. أما التخفي خلف الشعارات  والهروب المتكرر من طاولة النقاش الجامع، فلن يغير من الحقيقة شيئاً: الإجماع الوطني مسار يمضي بأمن وأمان، بمن حضر وبمن اختار لنفسه البقاء على هامش التاريخ.

محمدأفو