استقلال في القرار، وثقة في الإنسان، وانفتاح على العالم
تصريح صحفي
حزب البعث العربي الاشتراكي في الجزائر
إن التصريحات الأخيرة للسيدة لويزة حنون، وبعض الأصوات الداعية إلى التراجع عن مسار مراجعة مكانة اللغة الفرنسية في المدرسة الجزائرية وتأجيل المشروع الحالي، تستدعي كلمة واضحة، لأن القضية لا تتعلق بلغة في حد ذاتها، وإنما بحق الدولة الجزائرية في مراجعة خياراتها بما يخدم مستقبل أبنائها.
من حق أي شخصية سياسية أن تختلف مع سياسة الدولة، لكن ليس من حق أحد أن يقدم استمرار وضع لغوي معين وكأنه أمر لا يجوز المساس به، أو أن يصور كل مراجعة له على أنها تهديد للمدرسة وللجزائر.
لقد استقلت الجزائر، والاستقلال يعني أن يكون قرارها نابعًا من مصالحها الوطنية، لا من الخوف من تغيير واقع ورثته عن مرحلة تاريخية انتهت. وما كان قائمًا بالأمس ليس بالضرورة ما تحتاجه الجزائر اليوم.
المسألة ليست منع الجزائري من تعلم الفرنسية، ولا وضع لغة في مواجهة أخرى. المسألة هي: هل تستطيع الدولة أن تعيد ترتيب أولوياتها التربوية واللغوية وفق حاجات أبنائها؟ جوابنا: نعم، وبكل وضوح.
والواقع الجزائري نفسه يقدم نموذجًا واضحًا. فمؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش الوطني الشعبي، جعلت من التكوين العلمي والعصري، وتطوير مستوى الإطارات، والانفتاح على المعارف واللغات، جزءًا من منظومة التكوين. وهذا يؤكد أن اكتساب أدوات العلم والتواصل الدولي لا يتعارض مع الوطنية، بل يعزز قدرة مؤسسات الدولة على أداء مهامها.
فلماذا يصبح الانفتاح على اللغات والمعارف أمرًا طبيعيًا في مسارات التكوين المتخصصة، ثم يتحول، عندما يتعلق بالمدرسة، إلى مصدر للخوف والتهويل؟
الجزائري الذي يتعلم الإنجليزية لا يفقد هويته ولا وطنيته. الوطنية ليست في عدد اللغات التي نعرفها، وإنما في امتلاك القرار وتوظيف المعرفة لخدمة الوطن.
أما تحويل الفرنسية إلى شرط من شروط الحداثة، أو إلى خط أحمر لا يجوز للدولة الاقتراب منه، فهذا منطق تجاوزه الزمن. الجزائر ليست مطالبة بأن تبقى أسيرة خيار لغوي لمجرد أنه استمر عقودًا.
أما أن يُطلب من الدولة أن تتراجع عن قرارها كلما ارتفعت أصوات المدافعين عن استمرار الوضع القائم، فذلك ليس نقاشًا وطنيًا، وإنما محاولة لإبقاء الماضي حاضرًا في صناعة المستقبل.
وإذا كان هناك نقاش وطني، فنحن معه، لكن ليكن نقاشًا مسؤولًا حول مستوى المدرسة، وتكوين الأساتذة، والعلوم والتكنولوجيا، واللغات التي يحتاجها الاقتصاد والجامعة والبحث العلمي. أما تجميد كل مراجعة تمس مكانة الفرنسية، فهذا ما نرفضه.
إن حزب البعث العربي الاشتراكي في الجزائر ينطلق من مبدأ واضح، وهو ألا نهضة بلا علم، ولا علم بلا مدرسة قوية، ولا مدرسة قوية إذا كان قرارها أسير الخوف من مراجعة الماضي.
نريد جزائر منفتحة على العالم، تتعلم من الجميع وتستفيد من تجارب الجميع، لكنها تختار ما يناسبها بإرادتها. نريد أبناءنا أن يتقنوا لغات العالم وعلومه، وأن يدخلوا ميادين التكنولوجيا والبحث والمعرفة من موقع الثقة، لا من موقع التبعية.
لقد انتهى زمن الوصاية، وانتهى معه زمن التعامل مع بعض آثار المرحلة الاستعمارية وكأنها ثوابت وطنية.
ومن يختلف معنا فليقدم للجزائريين حجته ومشروعه، وليشرح لهم لماذا يجب أن يبقى الوضع كما هو. أما التخويف من التغيير، فلن يكون بديلًا عن النقاش.
إن الجزائر التي امتلكت الشجاعة لتحرير أرضها، قادرة على امتلاك الشجاعة نفسها في بناء مدرستها واختيار مستقبلها.
هذا هو موقف حزب البعث العربي الاشتراكي في الجزائر:
استقلال في القرار، وثقة في الإنسان، وانفتاح على العالم.
الدكتور أحمد شوتري
الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي في الجزائر
الجزائر، 07 أوت،




