لم يكن لحراطين، تاريخيًا، كيانٌ جغرافي مستقل، ولا إطارٌ سياسي خاص، ولا ثقافة منفصلة، ولا أدب مستقل، ولا سياق تاريخي مغاير داخل الدولة الموريتانية، وإنما ارتبطت قضيتهم أساسًا بالإرث الاجتماعي للعبودية وما خلّفه من آثار تحتاج إلى معالجة عادلة.
كما أن الواقع الاجتماعي الموريتاني يكشف حجم التداخل الكبير بين البيظان ولحراطين عبر قرون طويلة؛ فأغلبية البيظان في المدن التاريخية، وفي شرق ووسط موريتانيا، هم من ذوي السحنة السمراء والسوداء ، نتيجة للمناخ والامتزاج الاجتماعي الواسع، وبسبب الخؤولة من لحراطين التي كانت سمة معروفة لدى عدد كبير من الأسر الأميرية والعلمية. فعلى سبيل المثال، فإن أحد عشر من أبناء الأمير بكار ولد أسويد أحمد كانت أمهاتهم من لحراطين، ولم تكن إلا ثلاث منهن فقط من الجواري. كما نجد الظاهرة نفسها لدى بعض أبناء الشيخ سعدبوه، وأهل الشيخ محمد فاضل، وعدد من أمراء آدرار والمشايخ على طول البلد وعرضه . وهو ما يعكس أن المجتمع الموريتاني لم يكن مجتمعًا ذا حدود اجتماعية مغلقة، بل عرف أشكالًا واسعة من التداخل والاندماج.
ومن زاوية التجارب المقارنة، فإن الأمم التي واجهت مظالم تاريخية كبرى لم تجعل من دساتيرها وسيلة لإقامة امتيازات دائمة تقوم على الانتماءات الاجتماعية، وإنما جعلتها إطارًا لضمان المساواة وسيادة القانون. ففي الولايات المتحدة، ورغم قرون العبودية والتمييز العنصري، لم يُنشأ في الدستور مكوّن دستوري مستقل للأمريكيين من أصول إفريقية، ولا في حق الهنود الحمر الذين تعرضوا لإبادة من طرف الأوروبيين أثناء احتلالهم لآمريكا ، ولم تُمنح لهم صفة دستورية منفصلة عن بقية المواطنين، وإنما اتجهت الدولة إلى إلغاء التمييز قانونيًا، ثم إلى تبني سياسات للحقوق المدنية، وإجراءات للتمييز الإيجابي في مجالات محددة لمعالجة آثار الماضي، مع الحفاظ على مبدأ وحدة المواطنة.
وكذلك في جنوب إفريقيا، بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، لم يُبنَ الدستور الجديد على محاصصة بين الضحايا والجلادين، وإنما قام على مبدأ المواطنة المتساوية، والمصالحة الوطنية، وحماية الحقوق والحريات للجميع. كما أن دولًا أخرى شهدت مآسي تاريخية، مثل رواندا، اختارت بعد الإبادة الجماعية منع تكريس الانقسامات الإثنية في الحياة الدستورية، والعمل على بناء هوية وطنية جامعة بدل ترسيخ الهويات المتنافسة وغيرها من الأمثلة كثير.
والدستور، في جوهره، ليس وثيقة لتسجيل المظالم التاريخية، ولا أداة لتوزيع الامتيازات بين الفئات، وإنما هو العقد الوطني الأعلى الذي ينظم الحياة السياسية، ويحدد قواعد التوافق، ويصون وحدة المجتمع واستقراره، ويؤسس للمساواة بين المواطنين أمام القانون.
أما من حيث البنية الوطنية، فإن المجتمع الموريتاني يتكون من أغلبية عربية الثقافة والانتماء التاريخي، تضم البيظان ولحراطين ضمن فضاء ثقافي واجتماعي واحد، إلى جانب المكوّنات الوطنية الزنجية التي تمثل جزءًا أصيلًا من الشعب الموريتاني، وتشكل رصيدًا ثقافيًا وإنسانيًا مهمًا يثري الهوية الوطنية.
ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة بتعديلات دستورية تمنح لحراطين وضعًا دستوريًا خاصًا لا تبدو، في الواقع ، مستندة إلى أساس تاريخي أو ثقافي أو قانوني واضح، وإنما هي دعوة للتمايز والفرقة داخل مجتمع ظل، رغم كل ما عرفه من اختلالات، قائمًا على قدر كبير من التداخل الاجتماعي والثقافي . ولذلك فإن الطريق الأكثر أمانًا هو معالجة المظالم من خلال ترسيخ المساواة الكاملة بين المواطنين، لا من خلال إعادة تعريف مكونات المجتمع على أسس دستورية جديدة قائمة على اللون الذي هو أيضا مشترك مع الكثير من البيظان ، أو على أساس المظالم التي كرستها التقسمة الاجتماعية الطبقية والتي تقاسمها معهم طبقات عديدة من المجتمع ..إن مبادرة من هذا القبيل ستضعنا أمام مشاكل مركبة .
إن الجهود التي تخدم الدولة والمجتمع حقًا هي تلك التي تتجه إلى تعزيز سيادة القانون، وضمان تكافؤ الفرص، وتوسيع فرص الولوج إلى الوظائف والتعليم والاستثمار، واعتماد سياسات تمييز إيجابي مؤقتة وشفافة لصالح الفئات والمناطق التي عانت من آثار العبودية أو الإقصاء أو التهميش، بما يحقق العدالة الاجتماعية من دون المساس بوحدة الأمة.
وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الاستثمار في التعليم، والتنمية الاقتصادية، والعدالة في توزيع الفرص، أكثر قدرة على تجاوز آثار المظالم التاريخية من إعادة هندسة البنية الدستورية للمجتمع على أسس فئوية. فالتنمية الشاملة، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، هي التي تبني دولة قوية ومجتمعًا متماسكًا، قادرًا على مواجهة كل دعوات الانقسام، وكل أشكال العصبية والأنانية الفئوية.
لا لتعديلات دستورية على أساس اللون ،لا لتقسيم مكونة البيظان .
نعم لدستور حامع يدعم وحدة المجتمع ويقوى المؤسسات ويصون المحظيات ولا لدستور الفرقة والشحن العاطفي




