بين وعي يتسارع، ومجتمع يحتاج إلى الحكمة

بواسطة yahya

 

باعتقادي أن وتيرة الوعي قد تسارعت في منطقتنا، وأن عددًا لا بأس به من أبنائها أصبح أكثر إدراكًا لتعقيدات الواقع، وأكثر رغبة في المشاركة وصناعة المستقبل. وهذه ظاهرة إيجابية في أصلها، تستحق التشجيع والاحتفاء، غير أن المحب الصادق لمجتمعه لا يكتفي برؤية جوانب القوة فيه، بل يتأمل أيضًا ما قد يهدد تماسكه، ولو كان ذلك التهديد نابعًا من حماس أبنائه واندفاعهم.

ومن هذا المنطلق، ألاحظ بقلقٍ ممزوج بالمحبة طفرةً في التنافس السياسي، واندفاعًا شبابيًا قد يتحول، إن لم يُحسن المجتمع والدولة والنخب السياسية إدارته، من طاقةٍ واعدة إلى عامل استنزاف اجتماعي. فالتنافس حين تحكمه الحكمة يفتح أبواب التنمية، وحين تفتقده الرؤية ويتحول إلى صراع على المكانة والنفوذ، فإنه قد يورث خلافات أعمق من الخلافات التي أفرزته، ويُنهك مجتمعًا يعاني أصلًا من أعباء متعددة.

وهذا ليس شأنًا خاصًا بمنطقتنا؛ فمظاهر التنافس الحاد والاندفاع السياسي تكاد تكون من سمات المرحلة في مناطق كثيرة، غير أن خصوصية الجانب الشمالي، بما يحمله من تاريخ اجتماعي وتركيبة سكانية وعلاقات متشابكة، تجعل الحاجة إلى التبصر والتهدئة أكثر إلحاحًا.

الكنتيون: تاريخ من الإيواء والاندماج

لفهم بعض التحولات الراهنة، لا بد من استحضار جانب من الذاكرة الاجتماعية لمجتمع الكنتيين، لا باعتباره ماضيًا يُستدعى لتبرير الحاضر، وإنما بوصفه رصيدًا من القيم يمكن أن يساعد على حسن قراءة المستقبل.

لقد نشأ المجتمع الكنتي، في الذاكرة المتداولة عنه، على شهرة علمية وروحية واجتماعية جعلت أفئدة كثير من الناس تأوي إليه، حتى أصبح المنتمون إليه من غير ذرية الكنتيين أكثر عددًا من الكنتيين أنفسهم. ولم يكن ذلك، في جوهره، مجرد توسع عددي، بل كان تعبيرًا عن قدرة مجتمع على استيعاب الوافد، وتوفير قدر من الحماية والاحترام له، وإدماجه في نسيجه الاجتماعي.

وفي سياق تاريخي لم يكن فيه السلم شاملًا، ولا كانت الدولة بمؤسساتها الحديثة حاضرة في كل مكان، كانت الحماية الاجتماعية حاجةً حقيقية، وكان الانتماء إلى جماعة قادرة على توفير الأمان سندًا لا غنى عنه للمستضعفين والمهاجرين. وقد استفاد الكنتيون، بحكم علاقاتهم الودية مع أهل الشوكة من بني حسان، من مكانة اجتماعية مكّنتهم من توفير جانب من ذلك الأمان، فكان من يلجأ إليهم يجد، بحسب ما توارثه المجتمع من روايات، مجالًا للإقامة والاحترام والحماية.

وكان الوافد الذي يلتحق بهم يُعرف بالحليف، أو بالمصاحب والمتتلمذ، وهي تسميات حملت في الوعي المحلي معاني الانتماء والانتساب المعنوي والتكريم، ولم تكن بالضرورة تعبيرًا عن رابطة الدم. ولعل استحضار لقب «الصحابة»، وما يحمله من معنى التشريف في التراث الإسلامي، يفسر جانبًا من الحساسية الإيجابية التي أحاط بها الأجداد هذه التسميات، وإن اختلفت السياقات والأحكام بين المقامين.

لقد شارك الكنتيون من لحق بهم في الأرض والأمان، وأصبح الاندماج في هذا المجتمع جزءًا من تاريخه الاجتماعي. ومن الإنصاف أن نقرأ هذا التاريخ باعتباره تجربة في الاحتواء، لا باعتباره أداةً لإقصاء أحد أو انتقاص حق أحد في اختيار انتمائه.

من حماية الجماعة إلى مسؤولية الدولة

لقد تغيرت الموازين اليوم. فالدولة الحديثة أصبحت توفر جانبًا مهمًا من الحماية والحقوق التي كانت الجماعات والقبائل تضطلع بأجزاء منها في الماضي. كما اتسعت طموحات الإنسان، وارتفع سقف تطلعاته إلى المشاركة السياسية، والحصول على المناصب، وتحقيق الحضور الاجتماعي. وهذا التحول مشروع في أصله، بل هو من مقتضيات تطور المجتمعات.

لكن مشروعية الطموح لا تعني أن كل وسيلة لتحقيقه تصبح مشروعة.

من حق كل ٠ أن يطمح إلى منصب انتخابي، وأن يسعى إلى كسب ثقة الناخبين، وأن يبني لنفسه حضورًا سياسيًا بالمال المشروع، ،٠
٠ والتأثير، والقبول الشعبي، والعمل الميداني. وليس من حق أحد أن يصادر هذا الطموح لمجرد أن صاحبه ينتمي إلى جماعة أخرى، أو لأن صعوده لا ينسجم مع حساباته السياسية.

لكن الأمر يختلف حين يتحول الطموح إلى انتظارٍ لأن يمنحك الآخرون ما لم تستطع انتزاعه بإرادة الناخبين، أو حين يصبح التنافس السياسي قائمًا على استعداء المجتمع على بعضه، واستدعاء خصومات قديمة، واستثمار حساسيات الانتماء والانتساب.ج

٠٠والأشد إضرارًا أن يستجيب المرء لإملاءات خصومٍ سياسيين لمجتمعه، فيصوب سها٠٠مه نحو من نشأ ونشأ آباؤه بينهم، لا عن قناعة مستقلة، ولا عن اختلاف مشروع في الرأي، وإنما خدمةً لحسابات عابرة أو اصطفافات لا تنسجم مع تاريخ العلاقات الاجتماعية.

فالاختلاف السياسي حق، أما الارتهان السياسي فمشكلة. والنقد حق، أما تحويل النقد إلى قطيعة مع الذاكرة الاجتماعية، أو إلى أداة لضرب النسيج الأهلي، فذلك مسار لا يخدم أحدًا.

الانتماء ب٠ين حرية الاختيار وواجب الحكمة

وليعلم الجميع أن أحدًا لا يستطيع، ولا ينبغي له، أن يعترض على حق أي إنسان في الانتساب إلى النسب الذي يعتقده، أو الالتحاق بالجماعة التي يثق بانتمائه إليها. فالأنساب ليست ملكًا سياسيًا لأحد، والناس أحرار في اختياراتهم ما داموا لا يعتدون على حقوق غيرهم، ولا يجعلون من انتسابهم وسيلةً للظلم أو الإقصاء.

كما أن المجتمع الذي عرف تاريخيًا كيف يستوعب الوافدين، لا يليق به أن يتحول اليوم إلى مجتمع يضيق بالاختيارات الجديدة لأبنائه. غير أن الانتقال من منظومة اجتماعية إلى أخرى ليس دائمًا أمرًا بسيطًا؛ فقد يثير أسئلةً لدى الناس، ويحتاج إلى وقت حتى يستقر في الوعي العام، خصوصًا حين تتداخل فيه الذاكرة العائلية، والروابط التاريخية، والحساسيات السياسية.

ومن هنا، فإن الحكمة تقتضي التريث، وتقديم حسن الظن، وتجنب تحويل مسائل الانتماء إلى معارك مفتوحة. فالإنسان ينبغي أن يُنظر إليه من حيث يثبت نفسه بعمله وأخلاقه ووفائه، لا من حيث ينبت وحده. وليس معنى ذلك إنكار الأنساب أو إلغاء الروابط التاريخية، وإنما معناه أن القيمة الاجتماعية والسياسية لا ينبغي أن تُختزل في أصل الميلاد وحده.

ومن أبرّ البر، كما جاء في المعنى النبوي، أن يصل الرجل أهل ود أبيه؛ فالوفاء للماضي ليس قيدًا على المستقبل، بل يمكن أن يكون جسرًا إليه. ومن حفظ الجميل أن يظل المرء وفيًا لمن أحسن إليه، وللمجتمع الذي نشأ فيه، وللروابط التي صنعت جزءًا من تاريخه، دون أن يتحول هذا الوفاء إلى خصومة مع الآخرين أو إلى مصادرة لحقوقهم.

لا للظلم، ولا للفوضى

إن الدعوة إلى الحكمة ليست دعوة إلى قبول الظلم، ولا إلى السكوت عن التهميش، ولا إلى تعطيل حقوق الناس في التمثيل والمشاركة. فمن حق كل جماعة، وكل فرد، أن يطالب بحقه، وأن يناقش توزيع النفوذ والموارد والمناصب، وأن يناضل من أجل العدالة والإنصاف.

لكن النضال الذكي ليس صخبًا دائمًا، وليس استعداءً للناس، ولا قطيعةً مع الحلفاء والأصدقاء، ولا تحويلًا لكل خلاف إلى قضية كرامة جماعية. النضال الذكي هو الذي يحدد الهدف، ويعرف الوسيلة، ويحسب العواقب، ويفرق بين الخصم السياسي والعدو الاجتماعي، وبين المنافسة المشروعة والرغبة في الإضرار.

إن المجتمع الذي يريد أن يحافظ على مكانته، ويضمن لأبنائه مستقبلًا أفضل، يحتاج إلى قيادات تُهدئ حين يجب التهدئة، وتوضح حين يكثر الالتباس، وتجمع حين تتسع الفجوات. ويحتاج كذلك إلى شباب يدرك أن الحماس قيمة، لكنه لا يغني عن التجربة، وأن الجرأة مطلوبة، لكنها لا تعفي من المسؤولية، وأن الانتصار الحقيقي ليس في إسكات الآخرين، بل في بناء واقع لا يشعر فيه أحد بأنه خاسر دائم.

تامورت النعاج: مسؤولية القرار وحكمة المرحلة

وفي سياق الح٩ديث عن المستقبل السياسي للمنطقة، تبرز مسألة بلدية تامورت النعاج، وما قد يترتب على تقسيمها من تحولات في التمثيل المحلي والتوازنات الاجتماعية.

ومن وجهة نظرنا، فإن أي تقسيم إداري أو سياسي ينبغي أن يُدرس بعناية، وأن يراعي الواقع الاجتماعي، والتاريخ المحلي، ومصالح السكان، وقدرة الجماعات على إدارة شؤونها في إطار من التفاهم والإنصاف. وإذا انتهى الأمر إلى أن تكون تامورت النعاج، بعد التقسيم، مجالًا إداريًا يغلب عليه مجتمع أولاد سيدي حيبلا، فإن من الطبيعي أن يكون لهذا المجتمع دور محوري في اختيار من يتولى عمادتها، على أساس القبول والكفاءة والثقة والقدرة على خدمة الجميع.

لكن الأهم من اسم العمدة وانتمائه هو أن تكون البلدية فضاءً للعدالة والتنمية، لا ساحةً لتصفية الحسابات. فالعمدة الذي يحظى بثقة مجتمعه لا ينبغي أن يكون عمدةً على حساب الآخرين، بل عمدةً للجميع؛ والتمثيل المحلي لا يكتمل بمجرد الوصول إلى المنصب، وإنما يكتمل حين يشعر كل ساكن بأن حقوقه مصونة، وصوته مسموع، ومصلحته معتبرة.

إن المرحلة المقبلة لا تحتمل مزيدًا من الاستنزاف. وما تحتاجه منطقتنا ليس إطفاء طموح الشباب، وإنما توجيهه؛ وليس تعطيل التنافس، وإنما تهذيبه؛ وليس قطع الصلات التاريخية، وإنما تجديدها على أساس الاحترام المتبادل.

فليكن وعينا المتسارع سببًا في نضجنا، لا في انقسامنا، وليكن تاريخنا في الإيواء والاحتواء مصدر إلهام لنا، لا ذريعةً للتعالي على غيرنا. إن المجتمعات لا تقاس فقط بما ورثته من أمجاد، وإنما بما تستطيع أن تصنعه من عدالة، وتماسك، وتنمية، وحسن تدبير.

فالمستقبل لا ينتظر الأكثر صخبًا، وإنما يفتح أبوابه للأكثر حكمةً، والأقدر على الجمع بين قوة الانتماء ورحابة الأفق.

حمادي سسيدمحمد آباتي