في مجتمعاتنا المعاصرة، لم يعد المثقف العاطل مجرد حالة فردية، بل أصبح ظاهرة بنيوية تكشف خللا عميقا في العلاقة بين المعرفة والعمل، وبين الثقافة والنظام الاجتماعي ككل. إن الحديث عن المثقف العاطل هو في جوهره حديث عن أزمة مجتمع لا يعرف ماذا يفعل بعقله، ولا كيف يستثمر وعيه، ولا كيف يصالح بين القيمة الرمزية للفكر والقيمة المادية للعمل.
المثقف العاطل ليس بالضرورة شخصا كسولا أو عاجزا، كما تحب بعض الخطابات السطحية أن تصوره، بل غالبا ما يكون نتاج منظومة اقتصادية وتعليمية وثقافية أقصت الفكر من دائرة الفعل، وحاصرت المعرفة داخل جدران الجامعة أو الكتب، ثم تركتها بلا وظيفة اجتماعية حقيقية. تتحول الثقافة إلى زينة خطابية، ويغدو المثقف فائضا عن الحاجة في سوق لا يعترف إلا بما هو سريع الربح وقابل للاستهلاك. تعود جذور أزمة المثقف العاطل إلى تحولات اقتصادية عميقة، حيث صعد الاقتصاد الرقمي والتقني بوصفه معيارا وحيدا للقيمة، بينما جرى تهميش المعرفة الإنسانية والفكر النقدي. لم تعد الدولة، في كثير من السياقات، ترى في الثقافة استثمارا استراتيجيا، بل عبئا ماليا يمكن الاستغناء عنه. فتراجع الإنفاق على البحث، والفنون، والنشر، والإعلام الثقافي، وضاقت المساحات التي كان يمكن للمثقف أن يؤدي فيها دورا فاعلا. ويزيد النظام التعليمي الأزمة تعقيدا، إذ يواصل إنتاج مثقفين مؤهلين نظريا، لكنه يفشل في ربط المعرفة بالواقع. يتخرج الطالب محملا بالمفاهيم، لكنه مجرد من الأدوات التي تمكنه من تحويل فكره إلى ممارسة، أو مشروع، أو أثر اجتماعي. لا إرشاد مهنيا، ولا تفكير في مصير الخريج، وكأن المعرفة قيمة مكتفية بذاتها، حتى وإن انتهت إلى البطالة والإحباط. أما على المستوى القيمي، فقد تغيرت نظرة المجتمع إلى العمل والمعنى. صار العمل يقاس حصرا بالإنتاجية المادية، وبالقدرة على جلب المال، بينما جرى تحقير العمل الفكري بوصفه ترفا أو كلاما فارغا. في هذا السياق، يفقد المثقف مكانته الرمزية، ويتحول إلى شخص يطلب الاعتراف في مجتمع لا يعترف إلا بما يدر ربحا مباشرا.
هذه الأزمة لها أبعاد نفسية واجتماعية خطيرة. فعلى المستوى الفردي، يعيش المثقف العاطل حالة اغتراب مزدوج اغتراب عن سوق العمل، واغتراب عن المجتمع الذي لا يرى فيه قيمة. يتآكل الإحساس بالجدوى، ويحل الإحباط محل الشغف، وقد ينتهي الأمر بانسحاب المثقف من الفضاء العام، أو تحوله إلى ساخط عدمي، أو إلى تابع يساوم على فكره من أجل البقاء. أما على المستوى الاجتماعي، فإن تهميش المثقف يعني إضعاف القدرة النقدية للمجتمع. مجتمع بلا مثقفين فاعلين هو مجتمع بلا مرآة يرى فيها أخطاءه، وبلا ضمير يذكره بتناقضاته. حين يغيب المثقف، تتسع المسافة بين السلطة والوعي، ويصبح المجال العام فارغا أو محتلا بخطابات سطحية وشعبوية.
اقتصاديا أيضا، تمثل عطالة المثقف خسارة صامتة. فالصناعات الثقافية، من نشر وسينما وإعلام وتعليم، يمكن أن تكون رافعة حقيقية للتنمية، لكنها تظل معطلة حين لا ينظر إلى الثقافة كقطاع منتج. إن تجاهل المثقف هو في أحد أبعاده تجاهل لفرص اقتصادية غير مرئية. مع ذلك، لا يمكن إعفاء المثقف نفسه من المسؤولية. فجزء من الأزمة يعود إلى تمسك بعض المثقفين بصورة تقليدية لدورهم، ورفضهم الانخراط في تحولات العصر. المثقف الذي يكتفي بالشكوى، ويرفض تطوير أدواته، أو التواصل مع المجتمع، أو استكشاف أشكال جديدة للتأثير، يساهم بشكل غير مباشر في تكريس عزلته. المثقف اليوم مطالب بإعادة تعريف ذاته، لا بالتخلي عن عمقه، بل بتوسيع مجاله، والانفتاح على التعليم، والإعلام، وصناعة المحتوى، والعمل البحثي التطبيقي.
غير أن المبادرة الفردية، مهما بلغت، لا تكفي دون تحول مجتمعي أوسع. فالمجتمع مطالب بإعادة الاعتبار للثقافة كقيمة، لا كشعار. والدولة مطالبة بسياسات ثقافية واضحة تدمج المثقف في مشاريع التنمية، لا أن تتركه على هامش الخطابات الرسمية. كما أن القطاع الخاص مدعو إلى تجاوز نظرته الضيقة للربح، والاستثمار في المعرفة بوصفها رأسمالا طويل الأمد. من زاوية فلسفية، تطرح أزمة المثقف العاطل سؤالا جوهريا حول معنى العمل ذاته. هل العمل هو فقط ما ينتج مالا؟ أم أن إنتاج الوعي، وطرح الأسئلة، وبناء المعنى، شكل من أشكال العمل غير المرئي؟ المثقف، حتى وهو خارج السوق، يظل جزءا من البنية الأخلاقية والفكرية للمجتمع. لكن تحويل هذا الدور من قيمة رمزية إلى قوة مؤثرة يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الفكر والفعل.
إن المثقف العاطل ليس مشكلة فرد، بل عرض لمرض اجتماعي أعمق. مرض يتمثل في انفصام بين المعرفة والحياة، وبين العقل والتنمية. وأي حديث صادق عن الحل لا بد أن يبدأ بالاعتراف بهذه الحقيقة المزعجة: مجتمع لا يجد مكانا لمثقفيه، هو مجتمع يحكم على نفسه بتكرار أزماته، دون وعي، ودون أفق.
#زكريا_نمر




