يُروى أن أستاذًا جامعيًا سأل طلابه:
إذا كانت هناك أربعة عصافير على شجرة، وقرّر ثلاثة منها الطيران، فكم عصفورًا بقي على الشجرة؟
أجاب الجميع: واحد.
لكن أحد الطلاب قال: بل أربعة!
استغرب الأستاذ وسأله: كيف؟
فأجاب الطالب:
لأنك قلت: قرّر ثلاثة منها الطيران، ولم تقل: طارت! فالقرار شيء، والتنفيذ شيء آخر.
ويبدو أن هذا الطالب كان يملك، منذ ذلك اليوم، مؤهلات للعمل في بعض الإدارات الحكومية!
ففي بلادنا، كثير من العصافير تعقد اجتماعاتها، وتصدر قراراتها، وتعلن نيتها الطيران… ثم تظل واقفة على الشجرة، تنتظر ربما صدور قرار آخر يسمح لها بالطيران!
نسمع عن خطط طموحة، وبرامج واعدة، ومشاريع كبرى، وتعهدات كثيرة، ونقرأ بيانات جميلة تتحدث عن تحسين ظروف المواطن، ومحاربة الغلاء، ودعم الفئات الهشة، وتحقيق التنمية، وتوفير الخدمات.
وكل ذلك جميل… بل جميل جدًا.
لكن المواطن الموريتاني لا يعيش على جمال البيانات، وإنما يعيش على سعر الخبز، وكلفة اللحم والسمك، وفاتورة الماء والكهرباء، وأجرة النقل، ومصاريف التعليم والعلاج والسكن.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالمواطن قد يسمع أن الحكومة قررت خفض الأسعار، فيفرح قليلًا… ثم يذهب إلى السوق، فيكتشف أن الأسعار لم تسمع بالقرار أصلًا!
وقد يسمع عن مشروع لتوفير خدمة أفضل، فينتظرها، ثم يكتشف أن المشروع ما زال في مرحلة "الانطلاق قريبًا".
وقد يسمع عن دعم المواطن، فيقول في نفسه:
"الحمد لله، يبدو أن الفرج في الطريق."
ثم يصل آخر الشهر، فيكتشف أن الفرج ربما أخذ طريقًا آخر!
والإنصاف يقتضي القول إن الدولة تعمل، وإن هناك مشاريع وإصلاحات وجهودًا لا يمكن إنكارها. لكن المواطن يريد أن يرى أثر ذلك في حياته اليومية؛ فالنجاح الحقيقي لأي سياسة لا يقاس بعدد القرارات التي اتخذت، ولا بعدد الخطب التي ألقيت، وإنما بقدر ما تحولت تلك القرارات إلى واقع يلمسه الناس.
فالفرق بين "سنفعل" و"فعلنا" هو المسافة كلها بين الوعد والإنجاز.
والفرق بين القرار والتنفيذ هو أن العصفور الأول يبقى على الشجرة… أما الثاني فيطير فعلًا!
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نكثر من العمل ونقلل من الكلام، وأن ننتقل من مرحلة إعلان النوايا إلى صناعة النتائج؛ فالمواطن لا يريد حكومة تتحدث كثيرًا عن الطيران، بل يريد أن يرى العصافير تطير.
ومع ذلك، يبقى الأمل كبيرًا، ويبقى الوطن أكبر من كل الصعوبات، ويبقى المواطن الموريتاني جديرًا بحياة أفضل، وبأسعار أرحم، وخدمات أجود، وفرص أكثر عدلًا.
اللهم أفرح هذه البلاد والعباد، وارفع عن أهلها الغلاء والعناء، وبارك في أرزاقهم، وأصلح أحوالهم، ووفق من تولّى أمرهم إلى ما فيه خير الوطن والمواطن، واجعل موريتانيا بلد أمن ورخاء وعدل وازدهار.
فربما حان الوقت فعلًا لأن نترك العصافير تتوقف عن اتخاذ قرار الطيران… وتبدأ بالطيران!
ألا شيء إلوح فشيء.
عبداللھ محمد الحمير




