جميل أن تطرح الأسئلة، والأجمل أن نطرحها جميعا على أنفسنا قبل أن نطرحها على الآخرين.
استقبال النائب بيرام الداه أعبيد في آدرار، وتقديم اللبن والتمر له، والاحتفاء به في قلب المجتمع الآدراري، ليس مشهدا يحتاج إلى تأويلات عرقية.إنه، ببساطة، مشهد من مشاهد الكرم الآدراري الأصيل؛ ذلك الكرم الذي لا يسأل ضيفه قبل أن يفتح له الباب: من أنت؟ ومن أي فئة أنت؟ وماذا قلت عني بالأمس؟
وهنا تحديدا تكمن المفارقة. إذا كان بعض الناس يريدون قراءة استقبال النائب بيرام في آدرار باعتباره" تصالحا مع الذات والهوية والأهل" فلماذا لا يقرأونه أيضا باعتباره تصالحا بين الموريتانيين أنفسهم، وتجاوزا للأحكام المسبقة، وفتحا لمساحات جديدة للحوار؟ أما الحديث عن الماضي، فمن حق أي مواطن أن يحاسب السياسيين على كلماتهم ومواقفهم السابقة، ومن حق النائب بيرام نفسه أن يسأل عن كل خطاب صدر عنه، وأن يطالب بالتوضيح أو المراجعة حيث يكون ذلك ضروريا.لكن هل يسمح لنا، في المقابل، أن نسأل:
هل نريد موريتانيا تعيش إلى الأبد في أرشيف الشتائم والردود والاتهامات، أم نريد موريتانيا تستطيع أن تتجاوز جراحها وتنتقل إلى معالجة جذور الظلم والتهميش والفقر والغبن؟
ثم إن اختزال مسار النائب بيرام كله في ما قيل عن " فئة ما" يتجاهل جانبا أساسيا من خطابه وممارسته السياسية: وقوفه، على امتداد سنوات، مع فئات تعرضت للتهميش والغبن، بصرف النظر عن انتمائها الاجتماعي، وطرحه لقضايا يعتبرها جزءا من أزمة وطنية شاملة لا مشكلة فئة واحدة فقط.
قد نختلف معه في الأسلوب، وقد نرفض بعض خطاباته، وقد نختلف جذريا مع بعض مواقفه السياسية، وهذا حق مشروع.
لكن الإنصاف يقتضي أيضا أن نسأله عن مشروعه لموريتانيا كلها: كيف يمكن بناء دولة يتساوى فيها المواطنون أمام القانون؟ كيف تعالج مظاهر التهميش والغبن؟ كيف تردم الفجوات الاجتماعية؟ وكيف يمكن أن تتحول موريتانيا من بلد تتنازع مكوناته الذاكرة والاتهامات إلى دولة تجمعها المواطنة والعدالة؟
ولعل أجمل ما في مشهد آدرار أن أهلها لم يحتاجوا إلى محاكمة الضيف قبل إكرامه. فآدرار ليست اليوم في حاجة إلى أن يعلمها أحد معنى الكرم، ولا معنى استقبال الضيف، ولا معنى أن يكون الإنسان كبيرا في بيته حتى مع من اختلف معه. ذلك كرم آدراري أصيل يعرفه الموريتانيون جميعا، وهو قيمة اجتماعية لا ينبغي تحويلها إلى امتحان للهوية أو إلى محكمة سياسية.
والسؤال الحقيقي، في النهاية، ليس فقط: هل تصالح النائب بيرام مع ذاته؟ بل: هل تستطيع النخبة الموريتانية أن تتصالح مع فكرة أن هذا الوطن يتسع للجميع؟ هل نستطيع أن نختلف سياسيا دون أن نحول الاختلاف إلى عداوة اجتماعية؟هل يمكن أن نعترف بمظالم المهمشين دون أن نشتم جماعة بأكملها؟
وهل يمكن في المقابل الدفاع عن مكونات المجتمع وكرامتها دون إنكار مظاهر الظلم والتهميش التي عاشتها فئات أخرى؟
وهل نريد من أبنائنا أن يرثوا موريتانيا التي ورثناها بكل جراحها، أم موريتانيا جديدة يتقدم فيها المواطن على الانتماء، والعدالة على الامتياز، والوطن على الاصطفاف؟
أما آدرار، فقد قالت كلمتها بطريقتها الخاصة: أكرموا الضيف… وبعد ذلك اختلفوا معه كما تشاؤون. وهذه، في حد ذاتها، رسالة أكبر من كثير من الخطب.
احمد ولد عبيد




