عقم النخبة الموريتانية ومأزق التأسيس: من التوافقات الظرفية الى دولة المؤسسات الغائبة

بواسطة yahya

 

 

شكلت مسألة بناء "الدولة الوطنية الحديثة" الرهان الأكبر للشعوب في مرحلة ما بعد الاستعمار، وهو رهان لا يتحقق بالصدفة، بل يرتكز بالأساس على وجود نخبة واعية، تمتلك مشروعاً مجتمعياً يتجاوز الولاءات الضيقة، ويؤسس لشرعية ديمقراطية ومؤسساتية صلبة. غير أن المتأمل في المسار التاريخي والسياسي للجمهورية الإسلامية الموريتانية، يصطدم بحقيقة بنيوية مُرة: فشل النخبة السياسية والفكرية في صياغة تحالف تاريخي يفضي إلى إعادة بناء الدولة على أسس معاصرة وقوام مؤسساتي راسخ. وبدلاً من أن تكون هذه النخبة قاطرة للتغيير وصمام أمان للأمة، تحولت في أغلب تجلياتها إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمات وتعميق الانقسامات.
الاختلال البنيوي وجدل النشأة
إن الأزمة الراهنة في موريتانيا ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لاختلال بنيوي لازم الدولة منذ بواكير تشكلها الأولى. لقد أُقيمت هياكل الدولة على أرضية هشّة لم تنجح في صهر المكونات المجتمعية داخل بوتقة المواطنة الكاملة، وظلت التوافقات الظرفية والتسويات المؤقتة هي البديل الجاهز لتأسيس دولة القانون.
وفي ظل هذا الفراغ المؤسساتي، وبعد عسكرة الحكم ,تمددت ظواهر الفساد والنهب الممنهج لموارد البلاد حتى أصبحت سلوكاً هيكلياً ينخر جسد الدولة. ويتجلى هذا الخلل البنيوي في غياب العدالة التوزيعية، حيث تم تمكين قلة حظية من مقدرات وثروات الوطن، في مقابل ترك الأغلبية الساحقة من الشعب تصارع مصيرها، وتعيش على هامش الحياة، معتمدة على "صدقات رسمية" تُمنحُ بـمَنٍّ وأذى، وكأن هذه الإعانات هبات من جيوب المتنفذين وليست حقاً أصيلاً للمواطن من مالية العموم.
في هذا السياق البائس، تبرز السريالية السياسية في أبهى صورها عندما يطرح رأس الهرم التنفيذي تساؤلاً تهكمياً من قبيل: "هل من الأفضل للأسر دعم المحروقات أم الإعانات الاجتماعية؟"، في مفارقة عجيبة تكشف عن تناسي المسؤول لسبب وجوده الدستوري والأخلاقي، وتزداد المفارقة مرارة حين يصدر هذا المنطق من شخص تقلب في مناصب الدولة العليا، وشارك طويلاً في وضع سياساتها التنموية الفاشلة.
سيكولوجية النخبة: من الدفاع عن الأمة إلى شرعنة النهب
إن المسؤولية التاريخية والأخلاقية للنخب في أي أمة تتلخص في الذود عن مصالح المجتمع وقيادته نحو الاستقرار والنماء. أما في المشهد الموريتاني، فقد استقالت النخبة -إلا من رحم ربك-من دورها الرسالي، واستعاضت عنه بـ"التملق المسيس" والبحث المحموم عن المصالح الضيقة والفتات العابر.
لقد مارست النخبة دور "المبرر المعرفي والسياسي" لشهوات الأنظمة المتعاقبة، ولم تتورع عن شرعنة سياسات "فرق تسد" التي تمزق النسيج الاجتماعي وتدفع بالبلاد نحو حافة الاحتقان السحيق (بل والحروب الأهلية الصامتة)، طالما أن ذلك يضمن لها البقاء قرب مائدة الريع الإداري والمالي. إنها نخبة تنهب بالوكالة وتبرر بالأصالة، محولة الفساد الناصع في رابعة النهار إلى "وجهة نظر تنموية".




إفلاس الخارطة الحزبية: تواطؤ الليل والنهار
لم تكن الأحزاب السياسية، بمختلف أطيافها، بديلًا أفضل لحالة العقم هذه. واليوم، يتكشف هذا الإفلاس الحزبي بشكل فاضح في المحاولات الجارية للالتفاف على الدستور، والسعي لتعديل المأموريات المحصنة لتمكين نظام منتهية مدته من الاستمرار.
والغريب في الأمر، والمثير للاستهجان السياسي، هو دخول أحزاب محسوبة على "اليسار" وادعاء المعارضة في هذا المعترك؛ أحزاب ترفع شعارات الممانعة والدفاع عن الشعب نهاراً، وتقدم صكوك الولاء والمواساة والمساومة في صالونات الليل المظلمة. إن هذه القوى السياسية، بعد أن أفلست أيديولوجياً وفقدت شرعيتها الديمقراطية والانتخابية، ولم تعد تملك أي حاضنة اجتماعية حقيقية، أصبحت تقتات على التفرقة بين مكونات الشعب، وتستثمر في التناقضات العرقية والشرائحية كاستراتيجية وحيدة للحفاظ على وجودها الفيزيائي في المشهد، بعد أن عجزت لعقود عن تقديم أي مشروع وطني جامع للوطن أو الشعب.
خاتمة واستشراف: إن استمرار النخبة الموريتانية في ممارسة دور "التابع المدجن" والانتهازي، واستبدال بناء المؤسسات بالتسويات الفردية والقبلية، يضع البلاد أمام خطر وجودي حقيقي. لم يعد كافياً اليوم البكاء على الأطلال، بل إن الضرورة الوطنية تفرض على أصحاب الرأي المخلصين والقوى الحية الانعتاق من أسر هذا التفكير النخفجي، والعمل على صياغة كتلة تاريخية جديدة تعيد الاعتبار للمؤسسات، وتفرض دولة المواطنة والعدالة، وتنأى بالبلد عن منزلقات التفتيت والنهب. فالدولة التي لا يعيش فيها المواطن بكرامته كصاحب حق، لا كمتلقٍ للصدقة، هي كيان مهدد في صميم وجوده.

بقلم االرفيق سيدي محمد التھامي