ردّ على تدوينة مستشارة بالوزارة المنتدبة لدى وزارة الداخلية
استوقفتني تدوينة للسيدة حانه منت الشيخ ماء العينين، المستشارة بالوزارة المنتدبة لدى وزارة الداخلية، جاء فيها: «نحو مليون و600 ألف موريتاني بلغوا سن البلوغ منذ 2006، وقرابة 2,500,000 ما زالوا دونه اليوم. هؤلاء هم أغلبية الشعب الموريتاني. حين أُقرّ هذا القيد، كانوا أطفالًا أو لم يولدوا بعد. فمن يملك حقّ إغلاق المستقبل في وجوههم؟ وبأي شرعية يُحرمون إلى الأبد من حقّ الاختيار؟»، لتنتهي إلى المطالبة برفع القيد الذي تفرضه المادة 99 من الدستور.
وما يستدعي التوقف عند هذه التدوينة ليس حق صاحبتها في إبداء رأيها السياسي، وهو حق لا جدال فيه، وإنما طبيعة الحجة التي استندت إليها، ولا سيما أنها تصدر عن مستشارة في قطاع حكومي يُفترض أن يكون الإلمام بالقانون ومبادئ الدولة الدستورية من صميم متطلبات العمل فيه.
فهل يُعاد النظر في الدساتير كلما بلغ جيل جديد سنّ الرشد، بحجة أنه لم يكن موجودًا أو لم يكن مؤهلًا للتصويت عند إقرارها؟ وهل يعني تعاقب الأجيال أن كل جيل يملك حقّ إعادة فتح جميع الخيارات الدستورية السابقة لمجرد أنه لم يشارك في اتخاذها؟
لو أخذنا بهذا المنطق، لأصبحت استمرارية القواعد الدستورية رهينة تعاقب الأجيال، ولوجب على كل دولة إعادة النظر في دستورها كلما ظهرت كتلة جديدة من المواطنين المؤهلين للتصويت. والحال أن الدساتير لا تستمد استمراريتها من مشاركة كل فرد، على حدة، في إقرارها، بل من شرعيتها الدستورية، ومن خضوع تعديلها للإجراءات والضوابط المحددة فيها.
ولا يعني ذلك أن الدساتير مقدسة أو أن مراجعتها محظورة؛ فلكل مجتمع أن يناقش دستوره ويطالب بتعديله، لكن المطالبة ينبغي أن تقوم على حجج قانونية وسياسية موضوعية، لا على مجرد أن أجيالًا جديدة لم تكن قد وُلدت حين أُقرّ النص. كما أن حق الأجيال اللاحقة في المشاركة السياسية لا يعني، بذاته، وجود التزام دستوري بإلغاء كل قيد لم تشارك تلك الأجيال في وضعه.
وبالنسبة إلى المادة 99 من الدستور الموريتاني، فإن النقاش الجاد يقتضي تحديد طبيعة القيد المقصود، وبيان مدى قابليته للمراجعة في ضوء أحكام الدستور نفسه. فلا يكفي الاستناد إلى مفهوم السيادة الشعبية دون بحث الكيفية التي ينظم بها الدستور ممارسة هذه السيادة وحدود تعديل أحكامه.
وإذا كان ثمة ما يستحق أن تتضافر الجهود من أجله، فهو ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، واحترام الدستور وتطبيقه على الجميع، وإرساء معايير واضحة للتعيين في الوظائف العامة، قوامها الكفاءة والنزاهة والاستحقاق، بدلًا من المعايير الأخرى التي كثيرًا ما تُزاحمها في واقعنا الإداري والسياسي.
فالدولة لا تتقدم بمجرد رفع الشعارات، ولا بإثارة الأسئلة التي توحي بأن كل قيد دستوري يمثل مصادرة للمستقبل، وإنما ببناء مؤسسات قوية، وإدارة كفؤة، وثقافة قانونية تميّز بين الحق في المطالبة بالتغيير وبين الادعاء بأن التغيير واجب قانوني لمجرد تعاقب الأجيال.
إن الأولى بمَن يتولى مسؤولية استشارية في قطاع حكومي معني بالشأن الداخلي أن يجعل من ترسيخ دولة القانون، والدفاع عن معايير الكفاءة والاستحقاق، أولوية لا تقل أهمية عن الدعوة إلى مراجعة النصوص الدستورية. فالإصلاح يبدأ باحترام القانون وفهمه، لا بتجاوز مقتضياته تحت تأثير خطاب سياسي، مهما بدا جذابًا.
حمادي سيدمجمدآبتي




