ظلّ اللوبي الفرنكفوني في موريتانيا، كلما ضاقت به الحجج، يلجأ إلى اختلاق النكات المقززة والسخرية من اللغة العربية ومتعلميها، في محاولة لصرف الأنظار عن جوهر الصراع حول هوية التعليم ولغته واتجاهاته.
بدأت الحكاية منذ أن اقتضت مصلحة المستعمر الفرنسي استمالة السكان إلى التمدرس، فأنشأ ما عُرف بـ«المدرسة» (La Medressa)، واستعان بالفقهاء لتدريس أبنائهم، ومنحهم إدارة المدارس التي أُلحقت بها تلك الفصول. ثم تطورت الحملة على خريجي التعليم العربي، لتشمل قطاعات الأمن والجيش، عندما بدأ هذان القطاعان يستقبلان حملة الشهادات العربية، وكأن التمكن من لغة الضاد عيب ينبغي التحذير منه، لا كفاءة تستحق التقدير.
وحين أصرّ الرئيس المختار ولد داداه على تعميم التعليم، كان إصلاح محمذن ولد باباه خطوة مهمة في تهيئة الظروف أمام أبناء المحاظر للولوج إلى التعليم النظامي. غير أن مسار التعليم لم يسلم من حسابات اللوبي الفرنكفوني، الذي أسهم، وفق هذه القراءة، في إضعاف المنظومة التعليمية، عبر سياسات أفرغت الإصلاح من مضمونه، وفتحت الباب أمام تراجع المعايير التربوية.
ومع توظيف الخريطة المدرسية في حسابات انتخابية، توسعت الحاجة إلى اكتتاب المدرسين، أحيانًا على حساب الكفاءة والتأهيل. ثم جاءت إصلاحات افتقرت إلى الأدوات والوسائل الكفيلة بإنجاحها، وتزايدت مظاهر خصخصة التعليم وتراجعت جودة مخرجاته، حتى اضطرت الدولة إلى فتح مدارس خاصة تعتمد المنهج الفرنسي، لتلبية طلب فئات لا تسمح ظروفها بإرسال أبنائها إلى الخارج.
وهكذا، بدل أن يكون إصلاح التعليم مشروعًا وطنيًا جامعًا، تحول في جوانب منه إلى ساحة تتجاذبها المصالح والحسابات، وكانت النتيجة أن دفع التلاميذ ثمن التخبط، وتضررت مكانة المدرس، وتراجع مستوى التحصيل.
واليوم، عندما يتخذ وزير الثقافة والإعلام قرارًا بتعريب المراسلات الإدارية، باعتبار العربية اللغة الرسمية للبلاد، تنطلق حملة ضده تحت شعار «أحادي اللغة»، وكأن الانتصار للغة الدستور إعلان حرب على اللغات الأخرى!
إن هذه الحجة لا تصمد أمام أبسط الأسئلة: هل أصبحت المطالبة بتطبيق الدستور تعصبًا لغويًا؟ وهل يُعقل أن يُتهم مسؤول بالتخلف لأنه أراد أن تكون لغة الدولة حاضرة في مراسلاتها ومؤسساتها؟
ثم إن العالم يتغير، ومكانة اللغات تتحدد بقدرتها على مواكبة المعرفة والبحث العلمي والتكنولوجيا، لا بامتيازات ورثتها من عهود الاستعمار. والفرنسية، مهما بقي لها من حضور في مجالات متعددة، لم تعد تحتكر أبواب العلم والتقدم؛ فالإنجليزية تتصدر قطاعات واسعة من البحث العلمي والتقنية والاقتصاد، فيما تتنامى مكانة لغات أخرى.
لسنا ضد الفرنسية، ولا ضد تعلم اللغات الأجنبية؛ بل ضد تحويل لغة المستعمر إلى معيار للتميّز الاجتماعي، وتحويل العربية إلى مادة للسخرية والانتقاص.
إن القضية ليست صراعًا بين العربية والفرنسية، وإنما صراع بين عقلية تقبل المساواة اللغوية في إطار الدستور، وعقلية تريد الاحتفاظ بامتيازات تاريخية حتى لو كان ثمنها إضعاف المدرسة الوطنية وإهانة لغة المواطنين.
وحين تنفد الحجج، تصبح النكتة سلاحًا؛ لكن السخرية لا تصنع سياسة تعليمية، والتهكم لا يثبت تفوق لغة على أخرى، ولا يغير حقيقة أن العربية هي اللغة الرسمية لموريتانيا.
حمادي أباتي




