أزمة التجدبد في الفكر السياسي الإسلامي.

بواسطة yahya

 

تبدأ الإشكالية السياسية عندمآ تتحول المرجعية الدينية من منطلق فكري للأحزاب إلى وسيلة لاحتكار الشرعية وتحصين السلطة من النقد. فمشاركة الحركات الإسلامية في الحكم حق سياسي، مثلها مثل سائر التيارات، لكن هذا الحق لا يمنحها امتيازا في تعريف الدين أو احتكار الحديث باسمه. وحين يقدم الحزب خياراته السياسية باعتبارها تعبيرا عن إرادة الدين، يصبح الخلاف معه وكأنه خلاف مع العقيدة، ويتراجع النقاش حول البرامج والحقوق والاقتصاد لصالح صراعات الهوية والشرعية. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تقبل هذه الحركات أن تخضع قراراتها لمعايير الكفاءة والمساءلة الدستورية، أم تريد أن تجعل مرجعيتها الدينية حاجزا أمام النقد؟ فالدولة ليست منبرا للدعوة، والحكم ليس تفويضا مفتوحا باسم العقيدة، والشرعية السياسية لا تُكتسب بالشعارات الدينية، بل بقدرة السلطة على إدارة شؤون المواطنين، وصون حقوقهم، واحترام القانون، وقبول المحاسبة والتداول السلمي للسلطة.هذا السؤال لا يفترض أن الحركات الإسلامية كتلة واحدة، ولا أن تجاربها متطابقة. فقد اختلفت في بنيتها التنظيمية، ومواقفها من الديمقراطية، وعلاقتها بالدولة والمجتمع، كما تفاوتت الظروف التي عملت فيها بين المشاركة السياسية والإقصاء والقمع والحكم. غير أن هذا التنوع لا يلغي وجود إشكالية فكرية تستحق النقاش: ماذا يحدث عندما تستمر حركة سياسية في الاعتماد على رصيدها الديني والاجتماعي، بينما لا تتطور أدواتها في تحليل الاقتصاد وإدارة المؤسسات وبناء التوافقات السياسية؟.في بعض الحالات، تبدو المرجعية الدينية قادرة على توفير لغة مشتركة بين التنظيم وجمهوره، لكنها لا تقدم وحدها إجابات تفصيلية عن المشكلات التي تواجه الدولة. فالدعوة إلى العدالة لا تحدد تلقائيا نظاما ضريبيا عادلا، والتأكيد على التكافل لا ينتج بالضرورة سياسة ناجحة لمكافحة الفقر، والحديث عن النزاهة لا يغني عن بناء مؤسسات رقابية مستقلة. المسافة بين القيمة الأخلاقية والسياسة العامة تحتاج إلى معرفة وخبرة واجتهاد، ولا يمكن تجاوزها بمجرد استحضار المرجعية. ينبغي توجيه النقد إلى الفجوة بين الخطاب والبرنامج، لا إلى المرجعية الدينية في ذاتها. فالحركة الإسلامية، شأنها شأن أي حزب سياسي، مطالبة بأن توضح كيف ستترجم مبادئها إلى قوانين ومؤسسات ونتائج قابلة للقياس. وإذا أخفقت في ذلك، فإن تفسير إخفاقها ينبغي أن يبدأ من خياراتها السياسية والتنظيمية، لا من افتراض أن الدين نفسه مسؤول عن الفشل أو أن خصومها هم بالضرورة أعداء مشروعها.لكن التحدي يصبح أكثر تعقيدا عندما تتداخل هوية التنظيم مع هوية المجتمع. ففي بعض الخطابات السياسية، قد يتحول الخلاف حول برنامج أو قرار إلى نقاش حول الموقف من الدين، ويصبح نقد القيادة قابلا للتأويل بوصفه اعتراضا على المرجعية التي تستند إليها. ولا يحدث هذا بالضرورة في كل التنظيمات أو في كل المراحل، لكنه يمثل خطرا سياسيا حين يضيق المجال أمام المراجعة الداخلية ويصعب على المواطن التمييز بين الدفاع عن إيمانه وتأييد حزب بعينه.

فالانتماء الديني لا يفرض موقفا سياسيا واحدا، كما أن الاتفاق على مرجعية أخلاقية لا يعني الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد أو تصميم الدستور أو توزيع الصلاحيات بين مؤسسات الدولة. ومن ثم، فإن اختزال التعدد السياسي داخل المجتمع المتدين في موقفين متقابلين، أحدهما مع الدين والآخر ضده، يحجب حقيقة أن الاختلاف قد ينشأ بين أشخاص يتشاركون الإيمان نفسه، لكنهم يختلفون في فهمهم للسياسة وأولوياتها وأدواتها.من هذه الزاوية يمكن فهم جانب من الحساسية التي يثيرها مفهوم العلمانية لدى بعض التيارات الإسلامية. فالمسألة ليست مجرد خلاف حول حضور الدين في الحياة العامة، بل تتعلق أيضا بموقع المرجعية الدينية في التشريع، وحدود سلطة الدولة، وطبيعة العلاقة بين الأغلبية وحقوق الأفراد. وتختلف التصورات العلمانية نفسها في هذه المسائل؛ فبعضها يركز على حياد مؤسسات الدولة تجاه المعتقدات، وبعضها يتخذ مواقف أكثر تقييدا من حضور الدين في المجال العام.لذلك لا يكفي اختزال العلمانية في الإلحاد أو العداء للدين، مثلما لا يكفي تقديمها بوصفها ضمانة تلقائية للديمقراطية. ينبغي مناقشة كل تصور بحسب مؤسساته وآثاره وضماناته القانونية. فالدولة التي تقصي المتدينين من المشاركة السياسية لا تحقق المساواة، كما أن الدولة التي تمنح تفسيرا دينيا واحدا سلطة غير قابلة للمراجعة قد تضعف حقوق مواطنين يختلفون معه. المعيار هنا ليس هوية الفاعل السياسي، بل مدى احترامه للمواطنة المتساوية والحرية وسيادة القانون.ولا ينبغي أن يتحول هذا النقد إلى تجاهل للظروف التي عملت فيها الحركات الإسلامية. فقد واجهت بعض هذه الحركات أنظمة سلطوية أغلقت المجال العام، وتعرضت قياداتها وأعضاؤها للاعتقال أو الإقصاء، فيما دخلت حركات أخرى في عمليات انتخابية أو شاركت في الحكم والتحالفات السياسية. وهذه الفروق مؤثرة في فهم سلوكها وإمكاناتها وحدود خياراتها. لكن القمع الذي تتعرض له حركة لا يثبت تلقائيا قدرتها على الحكم الديمقراطي، مثلما أن مشاركتها في الانتخابات لا تعني بالضرورة أنها استقرت على تصور واضح لتداول السلطة وضمان حقوق المعارضة.

المشكلة، إذن، ليست في وجود الإسلاميين داخل السياسة، بل في طبيعة المشروع الذي يقدمونه، وفي مدى استعدادهم لمراجعة افتراضاتهم حين تصطدم بالواقع. هل تسمح البنية الداخلية للتنظيم بنقاش حقيقي حول القيادة والبرنامج؟ هل توجد آليات لمحاسبة المسؤولين؟ هل يستطيع الحزب الاعتراف بخطأ سياسي من دون تحويل النقاش إلى أزمة ولاء؟ وهل يتعامل مع خصومه باعتبارهم منافسين شرعيين، أم باعتبارهم تهديدا لهوية المجتمع؟.هذه الأسئلة لا تخص الإسلاميين وحدهم، لكنها تكتسب أهمية خاصة عندما يستمد التنظيم جزءا من شرعيته من مرجعية ذات مكانة دينية لدى جمهوره. فالمرجعية يمكن أن تكون مصدرا للالتزام الأخلاقي، لكنها قد تتحول في ظروف معينة إلى وسيلة لتقييد الخلاف إذا ادعى التنظيم أن موقفه السياسي يمثل بالضرورة الموقف الديني الصحيح. والفارق كبير بين حزب يعلن أن سياساته مستلهمة من الإسلام، وحزب يتعامل مع نقد سياساته كما لو أنه تشكيك في الإسلام نفسه.وويتصل بذلك تحد آخر يتمثل في تجديد المعرفة السياسية. فالمجتمعات العربية تواجه تحولات في سوق العمل، والاقتصاد الرقمي، والتعليم، والهجرة، وأدوار النساء والشباب، فضلا عن أزمات الدولة والديون والصراعات المسلحة في عدد من البلدان. وهذه قضايا تحتاج إلى بيانات وتحليل مؤسسي وخبرة متخصصة، إلى جانب النقاش الأخلاقي حول الغايات والعدالة. ولا يمكن لأي مرجعية فكرية، دينية كانت أم علمانية، أن تعفي أصحابها من دراسة الواقع المتغير.إن استحضار التراث لا يتعارض بالضرورة مع التجديد، كما أن الاستناد إلى الدين لا يمنع تطوير سياسات حديثة. لكن التجديد يصبح محدودا عندما يتحول التراث إلى مجموعة إجابات نهائية لا يجوز إعادة فحصها، أو عندما يُستخدم الخطاب الأخلاقي لإخفاء غياب التفاصيل العملية. فالاجتهاد السياسي يقتضي الاعتراف بأن كثيرا من القرارات ليست أحكاما مقدسة، بل خيارات بشرية يمكن تقييمها وتصحيحها وتغييرها.ومن هنا تظهر الحاجة إلى نقل النقاش من سؤال الهوية وحده إلى سؤال الأداء. فبدلا من الاكتفاء بمعرفة ما إذا كان الحزب إسلاميا أو علمانيا، ينبغي فحص موقفه من استقلال القضاء، وشفافية الإنفاق العام، وحرية الصحافة، وتكافؤ الفرص، وحقوق المعارضة، وتداول السلطة. هذه المعايير لا تلغي الاختلافات الفكرية بين الأحزاب، لكنها تمنع تلك الاختلافات من التحول إلى ذريعة لإعفاء أي طرف من المسؤولية.كما أن الأحزاب ذات المرجعيات العلمانية مطالبة بالمعايير نفسها. فتبني لغة الحداثة لا يضمن النزاهة، ورفع شعار الدولة المدنية لا يمنع الاستبداد، ومواجهة الإسلاميين لا تشكل في حد ذاتها برنامجا اقتصاديا أو اجتماعيا. إن نقد الحركات الإسلامية يفقد قيمته التحليلية إذا تحول إلى دفاع غير مشروط عن خصومها، أو إذا تجاهل أن أزمة المؤسسات والسلطوية وضعف المساءلة تتجاوز الانقسام الأيديولوجي التقليدي.

لا يحتاج النقاش العربي إلى مفاضلة مبسطة بين الإسلام والعلمانية، بقدر ما يحتاج إلى مساءلة العلاقة بين الأفكار والسلطة. يستطيع الحزب أن يحتفظ بمرجعيته الدينية، وأن يشارك في الحياة العامة، وأن يقدم تصورا خاصا للعدالة والمجتمع؛ لكنه يظل مطالبا بإثبات جدوى سياساته، وقبول النقد، واحترام حق المواطنين في الاختلاف معه.فالمرجعية الفكرية تمنح الحزب نقطة انطلاق، لا نتيجة نهائية. والشرعية الانتخابية تمنحه تفويضا محدودا، لا ملكية دائمة للدولة. أما الثقة الشعبية فلا ينبغي أن تتحول إلى التزام أبدي، بل إلى علاقة تتجدد بقدر ما ينجح المشروع في الاستجابة لحاجات المجتمع.والسؤال الأهم الذي تواجهه الحركات الإسلامية اليوم ليس كيف تحافظ على حضور الدين في المجتمع، بل كيف تبني مشروعا سياسيا يستطيع أن يستلهم الدين من دون أن يحتكر تفسيره، وأن يدافع عن قيمه من دون أن يعطل المساءلة، وأن يتعامل مع الدولة باعتبارها مؤسسة لجميع المواطنين لا امتدادا للتنظيم. فنجاح أي مشروع لا يقاس فقط بما يعلنه من مبادئ، بل أيضا بقدرته على تحويلها إلى مؤسسات عادلة، وباستعداده للاعتراف بأن السياسة، مهما كانت مرجعيتها، تظل مجالا للاجتهاد والخطأ والتصحيح.

#زكريا_نمر