موريتانيا أمام اختبار حقيقي: هل د دولة وطنية مستقلة، أم ساحة لمناورات الإخوان وشبكات المصالح؟
ليست كل معارضةٍ وطنية، وليس كل من يرفع شعار التغيير يريد فعلاً تغييراً حقيقياً. فبعض القوى تتقن ارتداء ثوب المظلومية، وتبديل خطابها بحسب الظروف، والظهور بمظهر المدافع عن الشعب، بينما تعمل في الخفاء على توسيع نفوذها والسيطرة على مفاصل الدولة.
لقد كشفت السنوات الماضية أن جماعة الإخوان لا تتحرك دائماً بمنطق المصلحة الوطنية، بل بمنطق التمكين التدريجي، واستغلال الأزمات، وتوظيف الخطاب الديني والعاطفي للوصول إلى مواقع القرار. وحين تفشل في الوصول المباشر، تلجأ إلى التحالفات المؤقتة، وتغيير الواجهات، وتقديم نفسها باعتبارها بديلاً وحيداً، بينما هدفها الحقيقي هو إعادة توزيع النفوذ لمصلحتها.
ومن حق الموريتانيين أن يتساءلوا اليوم: هل تغيّرت قواعد اللعبة السياسية فعلاً، أم أن بعض القوى تحاول إعادة إنتاجها بوجوه جديدة وشعارات براقة؟
أولاً: الإخوان وخطر التغلغل داخل الدولة
إن خطر الإخوان لا يكمن فقط في شعاراتهم المعلنة، بل في قدرتهم على التغلغل داخل المؤسسات، واستغلال الجمعيات والمنابر والفضاءات العامة لبناء نفوذ طويل الأمد. فهم لا يكتفون بالمنافسة السياسية الطبيعية، بل يسعون إلى تحويل الدولة إلى مجال نفوذ حزبي وتنظيمي، وإلى تقديم الولاء للجماعة على حساب الولاء للوطن.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن خطابهم يتغير بحسب موقعهم: فإذا كانوا خارج السلطة رفعوا شعارات الشفافية والعدالة، وإذا اقتربوا من مراكز القرار بدأوا في عقد الصفقات وتبرير التناقضات. يهاجمون التحالفات عندما لا يكونون طرفاً فيها، ويدافعون عنها عندما تفتح لهم أبواب النفوذ.
وهذا هو الخطر الحقيقي: أن تُستخدم الديمقراطية للوصول إلى السلطة، ثم تُستغل مؤسسات الدولة لخدمة التنظيم، وتُقصى الأصوات المخالفة تحت عناوين مختلفة.
ثانياً: ألعاب مكشوفة ومحاولات تضليل الرأي العام
لقد كشف الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز للشعب الموريتاني، من خلال مواقفه وتصريحاته، جانباً من الألعاب السياسية التي كانت تُدار خلف الكواليس، ومن التحالفات التي حاولت تقديم نفسها باعتبارها وطنية، بينما كانت تخفي حسابات شخصية وتنظيمية.
إن ما جرى لم يكن مجرد خلاف عابر بين أشخاص، بل كان صراعاً على النفوذ والقرار، شاركت فيه قوى حاولت استغلال الخلافات داخل السلطة، وتوجيه الرأي العام، وإعادة ترتيب المشهد بما يخدم مصالحها.
لقد انكشفت أساليب كثيرة: التشويه، وتضخيم الأزمات، وتوظيف الإعلام، واستعمال الخطاب الديني، وتقديم بعض الشخصيات باعتبارها منقذة للبلاد، بينما لا تختلف في جوهرها عن المنظومة التي تنتقدها.
فلا ينبغي للموريتانيين أن ينخدعوا بتغيير الوجوه أو تبديل الشعارات. العبرة بالمواقف، وبالتحالفات، وبمن يخدمه القرار في النهاية.
ثالثاً: نظام الفضائح… من يحاسب من؟
إن كشف إخفاقات السلطة لا يكون بتبادل الاتهامات، بل بفتح الملفات أمام الرأي العام، ومساءلة المسؤولين عن حصيلة سياساتهم، ومصير المال العام، والصفقات العمومية، وتعثر المشاريع، ومدى استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية.
ومن هنا، فإن كل من يتولى مسؤولية عامة مطالب بتقديم إجابات واضحة عن أدائه وقراراته، بعيداً عن الحماية السياسية أو الحصانة التي تمنحها التحالفات.
فلا يجوز أن تتحول مكافحة الفساد إلى شعار يُرفع ضد الخصوم، ثم يُنسى عندما يتعلق الأمر بالحلفاء.
وإذا كان هناك ما يُسمّى بنظام الفضائح، فإن كشفه يبدأ بالوثائق، والتحقيقات المستقلة، والوقائع القابلة للتحقق، لا بمجرد إطلاق الأوصاف أو تكرار الاتهامات.
رابعاً: البديل الموالي… هل يكفي تغيير الواجهة؟
إن رفض المأمورية الثالثة موقف سياسي مشروع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بوابة لعودة الإخوان أو أي تنظيم آخر إلى واجهة المشهد تحت غطاء المعارضة.
فالمعارضة الحقيقية لا تُقاس بحدة التصريحات، ولا بكثرة الشعارات، ولا بارتداء ثوب المظلومية، بل بوضوح البرنامج، واستقلال القرار، والشفافية في التمويل، والموقف الصريح من الفساد، واحترام الدولة الوطنية.
نحن نرفض المأمورية الثالثة، ونرفض في الوقت نفسه أن يُستغل هذا الرفض لتسويق بديل موالٍ لتنظيم أو جهة خارجية، أو لإعادة تدوير شخصيات ومنظومات أثبتت التجربة أنها لا تبحث إلا عن نصيبها من السلطة.
ليس المطلوب استبدال واجهة بواجهة، ولا نقل النفوذ من مجموعة إلى أخرى، بل بناء دولة مؤسسات لا تخضع لتنظيم ولا لحزب ولا لشبكة مصالح.
خامساً: حسابات الخارج والتبعية المقنّعة
أما الحديث عن الأدوار الإقليمية والدولية، فيجب ألا يتحول إلى شائعات، لكنه في الوقت نفسه لا يجوز أن يكون من المحرمات. فمن حق الموريتانيين أن يعرفوا من يمول، ومن يوجه، ومن يستفيد، ومن يحاول التأثير في القرار الوطني.
إن أي تنظيم سياسي يرتبط بأجندات خارجية، أو يستمد قوته من دعم غير معلن، أو يقدّم مصالح الخارج على مصلحة موريتانيا، لا يمكن أن يكون بديلاً وطنياً حقيقياً.
وهنا ينبغي طرح الأسئلة بوضوح:
▪️ هل توجد أدلة موثقة على تمويل خارجي لقوى سياسية موريتانية؟
▪️ هل تؤثر الحسابات الإقليمية في التحالفات الداخلية أو في اختيار البدائل السياسية؟
▪️ هل تُستخدم الخلافات بين السلطة والإسلاميين لتشتيت الانتباه عن قضايا الفساد وسوء التسيير؟
▪️ هل تقدم بعض القوى نفسها بوصفها معارضة مستقلة، بينما تكشف مواقفها العملية عن استمرار مصالحها مع المنظومة القائمة؟
هذه الأسئلة لا يجوز دفنها، ولا إسكات من يطرحها، لأن السيادة الوطنية ليست شعاراً، بل موقفاً عملياً يرفض الوصاية والتبعية والتمويل المشبوه.
سادساً: مسؤولية القوى الوطنية وأنصار ولد عبد العزيز
إن المرحلة الراهنة تفرض على أنصار الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، والبعثيين والناصريين، وحزب العهد الديمقراطي، وحزب التحدي، وسائر القوى الوطنية، تجاوز الخلافات الثانوية وبناء خطاب سياسي واضح يضع مصلحة موريتانيا فوق الحسابات الشخصية والحزبية.
ولا يكفي الدفاع عن مرحلة سابقة أو انتقاد المرحلة الحالية؛ بل ينبغي تقديم تصور متكامل للدولة التي نريدها: دولة تحمي الحقوق، وتصون المال العام، وتضمن استقلال القضاء، وتحاسب المسؤولين، وتمنع احتكار المؤسسات من أي حزب أو تنظيم.
كما أن الدفاع عن ولد عبد العزيز أو نقد خصومه لا ينبغي أن يعفي أي طرف من المساءلة، ولا أن يجعل الولاء السياسي بديلاً عن الحقيقة. فالعدالة التي نطالب بها للجميع لا تكتمل إلا إذا كانت معياراً واحداً لا يتغير بتغير الأشخاص وموازين القوة.
الخلاصة: موريتانيا أكبر من الإخوان وأكبر من كل المتلاعبين
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لموريتانيا هو أن يظل الشعب أسير صراع بين قوى تتبادل الاتهامات، بينما تعمل جماعة الإخوان على التسلل إلى مؤسسات الدولة، وتستغل الأزمات، وتعيد تقديم نفسها في كل مرة بثوب جديد.
لقد انكشفت ألعابهم، وسقطت أقنعتهم، ولم يعد مقبولاً أن يُخدع الشعب بالشعارات الدينية أو الخطابات العاطفية أو ادعاء احتكار الوطنية.
لا نريد دولة يحكمها تنظيم، ولا دولة يحتكرها حزب، ولا دولة تتحكم فيها شبكات المصالح، ولا وطناً يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
نريد موريتانيا التي يكون فيها القانون فوق الجميع، والقرار الوطني مستقلاً، والسلطة قابلة للمساءلة، والمعارضة مسؤولة، والإعلام حراً، والمواطن صاحب الكلمة الفصل.
إن لحظة الحقيقة تعني كشف الوقائع، وفضح المناورات، ومحاسبة المسؤولين، ورفض إعادة تدوير الإخوان أو أي منظومة فاسدة تحت أسماء وشعارات جديدة.
🇲🇷 موريتانيا أولاً… لا وصاية لتنظيم، ولا حصانة لمسؤول، ولا تبعية للخارج، ولا شرعية سياسية بلا مساءلة.
✍️ محمد عبد الرحمن حبوب الحسن




