ليست أكثر المجتمعات هشاشةً تلك التي يحكمها الاستبداد، بل تلك التي تفقد قدرتها على التمييز بين جُرم الحاكم ومسؤولية المحكوم؛ فيغدو الفساد ظاهرة تُنسَب إلى السلطة وحدها، وتُعفى النخبة والمجتمع من السؤال الأكثر إرباكاً للضمير: كيف استطاع الانحراف أن يجد لنفسه فينا موطئ قدم؟
إن نقد السلطة لا يكتمل إلا بنقد المجتمع الذي يمنحها شروط بقائها؛ سواء بالصمت، أو الخوف، أو تغليب المصلحة الفردية، أو الهروب إلى النسيان.
أولاً: من السلبية إلى "العبودية الطوعية"
تؤثر الأدبيات السياسية التقليدية اختزال الشعوب الواقعة تحت وطأة الاستبداد في صورة "الضحية المطلقة"، مقابل سلطة تحتكر القوة والسيطرة. ورغم ناصعية هذه الفروق في موازين القوى، إلا أن اختزال المجتمع في دور الضحية يؤدي إلى منزلق فلسفي خطير: محو فاعلية الإنسان في التاريخ.
وكما بيّن إتيان دي لا بويسي في أطروحته الخالدة حول العبودية الطوعية، فإن الطغيان لا يستمر بقوة السلاح وحده، بل بشبكة ممتدة من الاعتياد والتكيف والمصالح الصغيرة التي تتوزع بين الطبقات. إن الانهيار الأخلاقي يسبق دائماً الانهيار المؤسسي؛ إذ يبدأ في اللحظة الخفية التي يفقد فيها الفرد حساسيته تجاه الانحراف، وحين يتحول معيار الحقيقة من سؤال: «هل هذا عادل؟» إلى سؤال: «ما مصلحتي منه؟». تبدأ هذه الدورة باختلال المعايير الأخلاقية، فتمر عبر التنازلات الفردية اليومية، لتنتهي بتطبيع العبودية الطوعية وترسيخها داخل المجتمع.
ثانياً: الديمقراطية كاختبار أخلاقي لا إجراء تقني
إن اختزال الديمقراطية في صندوق الاقتراع هو أحد أكبر الأوهام السياسية. فالانتخاب ليس سوى تقنية مسطرية وآلية إجرائية تُعنى بالعدديات والمواعيد الانتخابية لإفراز سلطة وتنصيب حاكم، ولا يضمن بذاته نضجاً سياسياً ولا وعياً مدنياً؛ إذ يمكن لصندوق الاقتراع أن يُستخدم لإعادة إنتاج الفساد، أو لمصادرة حقوق المخالفين.
في المقابل، تتجلى الديمقراطية بوصفها أخلاقاً وثقافة قائمة على الحوار، وسيادة القانون، والمساءلة المستمرة، بهدف الحد من شطط السلطة وإدارة الاختلاف بحرية. وهنا يتغير موقع المواطن من مجرد مستهلك للخطاب السياسي إلى حارس للمؤسسات وحامل للذاكرة الجماعية.
إن الديمقراطية الحقيقية ليست مجرد وسيلة لاختيار من يحكم، بل هي مسار شاق لإدارة الاختلاف وتوزيع المسؤوليات وتكريس دولة الحق. والشرعية الانتخابية لا تمنح عصمةً للحاكم، بل تضع المواطن أمام مسؤولية مستمرة لمتابعة كيفية ممارسة هذه الشرعية.
ثالثاً: الذاكرة بوصفها واجباً أخلاقياً
استحضاراً لما أسماه الفيلسوف كارل ياسبرز بـ "المسؤولية السياسية والأخلاقية" للمجتمعات، فإن الحرية لا تنفصل عن واجب الوعي بالماضي ومراجعته. المجتمع الذي يرفض قراءة أخطائه التاريخية يحكم على نفسه بتكرارها تحت شعارات جديدة.
تتوزع تعاملات المجتمعات مع الماضي بين مسارين: الذاكرة الانتقائية التي تقتصر على محاكمة الماضي خدمةً لأغراض أيديولوجية وتغفيل المسؤولية الذاتية، والذاكرة النقدية التي تمثل مراجعة عقلانية وجريئة للذات تمنع الماضي من العودة المتخفية في صورة مستقبل جديد.
رابعاً: قوة المؤسسات في مواجهة الضعف البشري
لا تراهن الفلسفة السياسية الحديثة على النوايا الحسنة للفاعل السياسي، بل على صلابة البناء المؤسسي. فالأنظمة لا تُبنى على فرضية أن البشر ملائكة، بل على تصميم هياكل تضع حدوداً حاسمة لإمكانية الشطط والفساد.
«تبدأ الحرية الحقيقية حين يتسلح المجتمع بالشجاعة الأخلاقية لنقد ذاته بنفس المعيار الذي ينقد به السلطة.»
إن الانتهازية ليست مجرد آفة فردية، بل هي نتاج بيئة تتسامح مع المحسوبية وتكافئ الممالأة وتجعل من الاستقلال عبئاً. ومن هنا، فإن استعادة عافية الفضاء العام تتطلب إقامة مؤسسات وقوانين تحمي الاستقلالية الفكرية وتجعل الانحراف مكلفاً على صاحبه.
خامساً: توازن المسؤوليات
إن هذا الطرح لا يرمي إلى إعفاء السلطة القمعية من مسؤوليتها، ولا إلى تحميل المقهورين أوزار جلاديهم، بل يقوم على بناء معادلة متوازنة:
السلطة: تُسأل عن قراراتها، وممارستها للقوة، ومدى التزامها بالقانون والمؤسسات.
المجتمع: يُسأل عن مدى يقظته، ورفضه للمساومات الفردية، وصيانته لذاكرته الجماعية.
المستقبل: حصيلة التفاعل بين إرادة السلطة ووعي المجتمع.
في نهاية المطاف، ليست الحرية هبةً تُمنح، بل هي ممارسة أخلاقية متواصلة تتطلب إرادة للرفض ووعياً بالمسؤولية. والمجتمع الحر ليس مجتمعاً معصوماً من الخطأ، بل هو مجتمع يتملك شجاعة الاعتراف بأخطائه ومراجعة اختياراته دون البحث الدائم عن كبش فداء.
سيد مجمد التهامي




