الحوار الوطني: في سلامة المسار، وعدالة التمثيل، وحدود القضايا المطروحة

بواسطة yahya


ليس الاعتراض على الحوار الوطني اعتراضاً على مبدئه في جوهره، ولا إنكاراً لحاجة البلاد الماسة إلى نقاش جاد يلامس كبريات قضاياها؛ فالنظام الحواري، متى استوفى شروطه وتوافرت بيئته السليمة، يظل الأداة الأنجع لبناء التوافقات، وتسوية الخلافات، واستعادة الثقة المفصليّة بين الفاعلين السياسيين والمجتمع والدولة.
غير أن الحوار لا يستمد صفته «الوطنية» من مجرد التسمية، ولا من كثرة الحاضرين، ولا من تضخم جدول أعماله؛ وإنما يكتسبها أولاً وقبل كل شيء من سلامة المسار المؤدي إليه، وحياد المساطر المحاكمة له، وعدالة تمثيل القوى السياسية فيه، ووضوح الموضوعات التي تستحق فعلاً أن تكون محلاً لتوافق وطني جامع.
من هنا، تغدو الأسئلة الإجرائية سابقةً على القضايا ذاتها: كيف أُعدَّ هذا الحوار؟ ومن يكفل حياد مساره؟ وعلى أي أساس أُوكلت الإشرافية للجهات القائمة عليه؟ وما المعيار الذي ضبط تمثيل الفرقاء السياسيين؟ ثم أخيراً: هل كل ما هو مدرج في جدول الأعمال يستدعي -بالضرورة- عقد حوار وطني؟
أولاً: الإجراء هو حجر الزاوية
إذا جُعل الحوار خياراً وطنياً جامعاً، فإن الضمانات الإجرائية تتصدر كحجر زاوية لسلامة المسار برمته. فالإجراءات ليست ترتيبات ادارية شكليّة تسبق التداول، بل هي الضمانة الهيكلية لمنع تحيز المسار لأي طرف، والرصيد الذي يمنح المشاركين الاطمئنان إلى أن قواعد اللعبة صيغت على مسافة واحدة من الجميع
ومن ثم، فإن كيفية اختيار المنسق، والمواصفات المقترحة فيه، وطريقة تشكيل لجنة الإشراف وطبيعة التوافق حولها، أسبابٌ تمس جوهر الشرعية. فالذي يتولى التنسيق بين السلطة والمعارضة ومختلف الفاعلين، يُفترض فيه -إلى جانب الكفاءة - أن يتحلى بـ "مسافة مؤسسية" صريحة عن أطراف النزاع.
وليس المقصود هنا التشكيك في نزاهة الموظف العمومي أو كفاءته الشخصية، بل التمييز بين النزاهة الفردية وبين ملاءمة الموقع الوظيفي لمهمة يشترط فيها التجرد والحياد. فحين يكون المنسق مسمّى من قبل السلطة التنفيذية وممارساً لوظيفة حكومية، فإن وضعه -من الناحية الإجرائية - يظل مظنة تساؤل مشروع حول مدى تماشيه مع منطق الاستقلالية، بصرف النظر عن شخصه.
وتزداد هذه المسألة حساسية إذا ما خيّبت المرحلة التحضيرية الآمال باختلالات إجرائية أثارتها أطراف سياسية متعددة. وفي هذه الحالة، فإن إعادة القيادة ذاتها أو الإبقاء عليها في موقع ممسك بمفاصل المسار، يسهم في إعادة إنتاج الشكوك ذاتها التي كان يُفترض بالمرحلة الجديدة تجاوزها.
إن القاعدة الهيكلية بسيطة: متى أورثت المرحلة السابقة ريبةً في سلامة المساطر، توجّب أن تبدأ المرحلة الجديدة بتبديد تلك الريبة لا بإعادة تدويرها. ومن ثم، فإن رئاسة لجنة الإشراف يجب أن تكون بمنأى عن الشبهات، مستقلة في موقعها، ومحط قبول واسع؛ إذ إن الحياد المطلوب ليس مجرد انطباع أو ادعاء، بل واقع مؤسسي يطمئن إليه الفاعلون والرأي العام.
ثانياً: لجنة الإشراف والتوافق المطلق
تكتسب لجنة الإشراف محورية استثنائية؛ فهي ليست مجرد آلية لتوزيع المقاعد، بل هي الحارس الدستوري لضوابط الحوار، والضامن لتوازن التمثيل، والساهر على التطبيق السليم للإجراءات.
من هنا، لا ينبغي أن يخضع اختيار رئيسها وأعضائها لمنطق التعيين الإداري السريع، بل لمرجعيات واضحة تتأسس على الاستقلالية، والكفاءة، والتوافق العريض. وكلما اتسعت أجندة الحوار لتشمل ملفات شائكة تمس بنية الدولة والمجتمع، اشتدت الحاجة إلى هيئة إشراف تحظى بائتمان كامل؛ إذ يستحيل مطالبة الفرقاء بالثقة في المخرجات ما لم يتوافر الاطمئنان المسبق للهيئة المدبرة لقواعد النقاش.
ثالثاً: عدالة التمثيل ومعيارية المكوناتبعد الإجراءات، يفرض سؤال التمثيل نفسه. لقد صُدّق في المرحلة الأولى على سبعة مقاعد للموالاة ومثلها للمعارضة داخل لجنة الإشراف، وهو توزيع يوحي -شكلياً-بالمساواة والتوازن. غير أن عدالة التمثيل لا تختزل في الحساب العددي للمقاعد، بل تمتد إلى المعايير المعتمدة في تعريف كتل كل طرف.
فالمعارضة الديمقراطية الممثلة برلمانياً وُضعت في كفة واحدة مع طيف معارض آخر لا يمتلك مقعداً برلمانياً واحداً، وجرى التعامل معهما ككتلتين متساويتين عند توزيع حصة المعارضة. وفي المقابل، تضمن جناح الموالاة أكثر من خمسة أحزاب تمتلك تمثيلاً نيابياً مقدّراً، ومع ذلك لم تُقسّم الموالاة إلى كتل بل أبقي عليها ضمن إطار موحد.
السؤال هنا لا يتعلق بحق أي طرف في المشاركة، ولا بدعوة لإقصاء مكون أو تضخيم آخر، وإنما يطال معيار التمثيل ذاته:
إذا كان الوزن الانتخابي والبرلماني مؤشراً للثقل السياسي، فلماذا لا ينعكس في رسم الخريطة التمثيلية؟
وإذا كان منطق الكتل هو المعتمد، فلماذا طُبّق على المعارضة وحُجب عن الموالاة؟
إن المساواة الرقمية بين المعارضة والموالاة تظل قاصرة عن إثبات عدالة التمثيل ما دامت الأسس المعرفية والتنظيمية لكل طرف مختلفة. إن القاعدة الحصينة التي يجدر الدفاع عنها هي: إقرار معيار تمثيلي واضح، مُعلن، وموحد، يعكس الواقع السياسي دون أن يُستخدم مفهوم "الكتل" لإعادة تشكيل ذلك الواقع وتوجيهه.
رابعاً: التمييز بين القضايا الوطنية وسياسات الحكومة
بالانتقال إلى المضمون، تبرز ملاحظة جوهرية: ليس كل ملف هام بضرورة الحال موضوعاً لحوار وطني.
قضايا من قبيل تمكين الشباب والمرأة، والرقمنة، والذكاء الاصطناعي، ومكافحة الفساد، والتمييز الإيجابي؛ كلها ملفات حيوية، لكن أهميتها لا تعني وجوب عقد مؤتمر وطني للإقرار بضرورتها. فهذه المجالات تدخل - في جوهرها - ضمن السياسات العمومية والقطاعية للبرامج الحكومية.
الحكومة تُنتخب وتُشَكّل لتضع السياسات، وتقترح التشريعات، وتدير الموارد، ثم تخضع للمحاسبة. فمكافحة الفساد - مثلاً- لا تحتاج توافقاً حوارياً لإثبات خطورته، بل تتطلب مؤسسات رقابية صارمة، وقضاءً مستقلاً، وإرادة سياسية نافذة. وتمكين الشباب والمرأة يتطلب استراتيجيات تعليم وتأهيل وتشغيل، لا مجرد إعلان نيات جديد.
من هنا يتحدد الفرق:
ليست كل قضية وطنية موضوعاً لحوار سياسي. فبعض المسائل يحتاج قراراً، وبعضها يتطلب سياسات، وبعضها يستدعي تنفيذاً. أما الحوار الوطني فيجب أن يتركّز حكراً على القضايا الكبرى التي تتجاوز صلاحيات الحكومة المنفردة، أو القضايا التي تتطلب تسويات تأسيسية وعقداً اجتماعياً يعلو على البرامج الحكومية العادية. وبغير هذا التمييز، تختلط وظيفة الحوار في بناء التوافق بوظيفة الجهاز التنفيذي في إدارة الشأن العام.
خامساً: من تضخم الأجندة إلى تشظي الذاكرة الوطنية
لا تكمن الإشكالية في كثرة القضايا فحسب، بل في جزئيتها وتفكيكها. فالملفات الوطنية الكبرى تحتاج إطاراً مهيكلاً يربط أجزاءها، لا تحويلها إلى ملفات فئوية لكل منها مطالباته وذاكرته المنفصلة.
ويتجلى هذا الخطر عند التعاطي مع ملف «الإرث الإنساني». إن المعالجة الحصيفة لا تعني تجاهل هذا الملف أو القفز عليه، بل تحذّر من النمط المنتهج في التعاطي معه. ليس المطلوب إنكار المظالم، بل تجنب تحويل كل فئة إلى حاملة لذاكرة مغلقة تنافس ذاكرات الأطراف الأخرى؛ إذ إن تنافس الذاكرات ينقل الحوار من أداة للمصالحة إلى منصة لإعادة إنتاج الانقسام.
المطلوب هو صياغة ذاكرة وطنية جامعة تتسع لآلام الجميع وتستحضر التاريخ المشترك، وتُعالج المظالم ضمن رؤية وطنية موحدة، لا عبر روايات متصارعة تحتكر الحقيقة. فالمصالحة الوطنية لا تتأسس على نسيان الماضي، ولا على تحويله إلى تخوم وحواجز دائمية بين أبناء الوطن الواحد.
سادساً: من المحاصصة إلى المواطنة المتكافئة
ينبغي لغايات الحوار أن تتسامى عن مجرد التوزيع الفئوي للمواقع والامتيازات. فإذا تحولت معالجة الاختلالات التاريخية إلى نظام دائم من المحاصصة، فإن المجتمع ينزلق من ظلم قديم إلى تقنين دائم للانقسام.
إن الدولة الحديثة لا تُبنى على المكونات أو الحصص الاجتماعية، بل على مفهوم المواطنة المتكافئة، حيث:
1. سيادة القانون وسيادة الفرص أمام الجميع دون تمييز.
2. اعتماد الكفاءة والنزاهة كمعيارين أساسيين لشغل الوظائف العامة.
3. معالجة التفاوتات والمظالم عبر آليات العدالة الناجزة، دون جعل الانتماء الاجتماعي أو الفئوي قدراً سياسياً دائماً.
المبتغى هو الانتقال من التهميش ومن المحاصصة معاً، نحو دولة المواطنة وسيادة القانون.
سابعاً: في دلالة التسمية وحدود الضوابط الدستورية
تطرح تسمية «المؤتمر الوطني» دلالات سياسية تستدعي الوقوف عندها؛ فالإيحاء بمسار واسع يتجاوز إصلاح المرفق العام قد يفتح الباب لمراجعات تمس قواعد النظام السياسي.
إن الخطورة لا تكمن في المصطلح، بل في غموض حدوده. فإذا كان الهدف هو إصلاح مؤسسات الدولة وترميم الاختلالات الهيكلية عبر التوافق، وجب رسم معالمه بدقة. أما إذا استحوذ الحوار على مساحات تعيد تشكيل قواعد الحكم وموازين السلطة، فإن السؤال يفرض نفسه: هل نحن بصدد حوار لإصلاح الدولة، أم مسار ينقلب على القواعد الحاكمة للسلطة؟
يتضاعف التوجس حين تمس النقاشات الضوابط الدستورية المتعلقة بتداول السلطة وآليات مد المأموريات. فالدستور ليس وثيقة ظرفية للتفاوض يتغير مع تغير موازين القوى، بل هو العقد الأسمى الذي يحفظ استقرار البلاد ويكفل انتقال السلطة بسلاسة.
خاتمة: الحوار الذي نحتاجه
إن البلاد بحاجة ماسة إلى الحوار، لكنها بحاجة -قبل ذلك-إلى حوارٍ سليم:
• حوار تبدأ ضماناته من نزاهة الإجراءات وشفافيتها.
• تقود هيئة إشرافه شخصيات مستقلة تحظى بتمثيل عادل وتوافق عريض.
• يميز بوضوح بين القضايا التأسيسية التي تتطلب توافقاً سياسياً، وبين الملفات الإجرائية التي هي من اختصاص الجهاز التنفيذي.
• يعالج ملف الإرث الإنساني بمسؤولية، في إطار مشروع مصالحة يرسخ الذاكرة الجامعة ويرفض تنافس الذاكرات.
• يضع في قمة أولوياته التأسيس لـ دولة المواطنة المتكافئة، بدلاً من تكريس نظام المحاصصة.
إن الحوار الوطني الحقيقي ليس بكثرة محاوره ولا بتوسيع كراسيه، بل بإرساء قواعد عادلة ومقنعة تبني الثقة في المخرجات قبل صدورها.
يبقى السؤال المفصلي شاخصاً أمام الجميع: هل يراد لهذا الحوار أن يكون مجرد إعادة ترتيب للمواقع داخل المنظومة القائمة، أم إعادة بناء لعلاقة الدولة بالمواطن على أسس العدالة والمواطنة والمؤسسات؟
إذا كان الهدف هو بناء الدولة، فالطريق يبدأ بسلامة المسار قبل المخرجات، وبعدالة التمثيل قبل النتائج، وبترشيد الأجندة قبل ملئها بالقضايا؛ وحينها فقطسيد يتحول الحوار الوطني إلى محطة تاريخية حقيقية، لا مجرد استحقاق شكلي ينتهي بانتهاء جلساته.لا
الرفيق سيدي محمد التھامي