البعث ليس قالبا جاھزا، بل مشروع استنھا ض ..!!امة

بواسطة yahya

 

........
من الضروري أن نعيد وضع مسألة التجديد في مكانها الطبيعي داخل الفكر البعثي، بعيداً عن الخوف من المفردات أو عن تحميلها معاني ليست فيها. فالفكر البعثي، في منطلقاته وجوهره، فكر حداثي تقدمي وثوري؛ لم يولد ليكون نسخة جامدة من الماضي، ولا منظومة من القوالب المغلقة، ولا مجموعة من الآليات التي يتعين تكرارها مهما تغيرت الظروف.
هناك ثوابت تشكل جوهر المشروع البعثي، وهي التي تمنحه هويته واستمراريته ووضوح بوصلته. أما الآليات والأشكال التنظيمية والسياسية وأساليب العمل، فهي ليست مقدسات، لأنها ابنة ظروفها، وتتغير بتغير الواقع وحاجات المرحلة.
ولعل بدايات البعث نفسها تقدم لنا الدليل الأوضح. فقد عرف التنظيم في مراحل مختلفة أشكالاً متعددة، من التنظيم الحلقي إلى الأشكال الفردية و الخطية، ولم يكن ذلك تناقضاً مع جوهر الفكر، بل استجابة لظروف سياسية وأمنية واجتماعية فرضت على الحركة أن تبحث عن الشكل الأكثر قدرة على حماية مشروعها واستمراره. فالوسيلة تتغير، أما الغاية والمبادئ فلا تتغير لمجرد تغير الوسيلة.
ومن هنا، فإن الخوف من مفردة التجديد لا ينبغي أن يتحول إلى خوف و كابوس من التجديد نفسه. التجديد ليس خروجاً على البعث، بل هو شرط من شروط استمرار البعث حياً وقادراً على الفعل. وقد استخدم الرفيق الشهيد صدام حسين مفردات مثل العراق الجديد و العراقي الجديد، وهي مفردات تعكس إدراكاً بأن بناء الإنسان والمجتمع والدولة لا يمكن أن يتم بعقلية ثابتة أمام واقع متحرك دائما..
إن البعث والنهوض متلازمان؛ فلا بعث بلا بعثٍ فكري، ولا نهوض بلا أفكار جديدة، ولا مشروع قومي قادر على الحياة إذا تحول إلى ذاكرة تكرر نفسها. الأمة التي تريد أن تستعيد دورها لا تستطيع أن تواجه القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن العشرين، كما لا تستطيع أن تستعيد المستقبل باستنساخ الماضي.
ولهذا فإن كل فكرة جديدة تستحق أن تُناقش، لا أن تُدان لمجرد أنها جديدة. وكل أطروحة حديثة ينبغي أن تُختبر بميزان الفكر والمصلحة والواقع، لا بميزان الخوف والشك والاتهام. فالرجعية ليست في المحافظة على الثوابت، وإنما في تحويل الثوابت إلى ذريعة لرفض كل جديد. أما الأصالة الحقيقية فهي أن نحافظ على الجوهر، ونمتلك الشجاعة لتطوير الوسائل.
نحن أبناء البعث؛ أبناء فكرة قامت أصلاً على الثورة والتمرد على واقع التخلف والتجزئة والاستلاب. ومن غير المنطقي أن يكون فكر الثورة ثائراً على الجمود في لحظة تأسيسه، ثم يتحول هو نفسه إلى جمود يخشى السؤال والمراجعة والتطوير.
لذلك، ما نطرحه اليوم ليس قطيعة مع البعث، ولا خروجاً على أصوله، ولا بحثاً عن بعث آخر؛ بل هو محاولة لاستعادة روح البعث الخلاقة: أن نقرأ الواقع كما هو، وأن نفكر في المستقبل كما ينبغي أن يكون، وأن نبحث عن الآليات القادرة على تحويل المبادئ إلى و قود و قوة فعل وتأثير.
البعث أكبر من أن يُختزل في تجربة تاريخية واحدة، وأكبر من أن يُحاصر في شخص أو مرحلة أو شكل تنظيمي. البعث فكرة أمة، ومشروع نهضة، وشعلة لا تعيش إلا إذا ظلت قادرة على الإضاءة و التوهج..
والبعث، في النهاية، ليس مرساة تشد سفينة الأمة إلى الماضي؛ إنه شراعها وسفينتها وبوصلتها. والسفينة التي تريد أن تصل إلى المستقبل لا تخاف من تغيير الشراع عندما تتغير الرياح، لأنها تعرف أن الذي يحافظ على اتجاهها ليس شكل الشراع، بل وضوح البوصلة.
ومن هنا نقول لكل من يخشى التجديد: اطمئنوا؛ لسنا بصدد هدم البعث، بل بصدد تحرير طاقته من الخوف والجمود. لسنا بصدد تغيير الثوابت، بل بصدد تجديد الأدوات التي تجعلها قادرة على الحياة والفعل.
فالبعث الذي لا يتجدد يتجمد، والذي يتجمد يفقد قدرته على النهوض، أما البعث الحي فهو الذي يعرف كيف يحافظ على جوهره، وكيف يفتح نوافذه للعصر، وكيف يجعل من الفكر الجديد قوةً إضافية في طريق النهوض.
نحن لا نريد بعثاً يعيش في الماضي؛ نريد بعثاً يحمل الماضي إلى المستقبل، ويصنع المستقبل بفكرٍ متجدد ، وإرادةٍ حرة، وعقلٍ لا يخاف من السؤال....

باريس في 13 اوت 2026

بلقاسم صوالحية