حين تھزم الكفا ءة... وتفقد الدولةمعناھا

بواسطة yahya

 

ليست الدول أبنيةً من إسمنت وحديد، ولا خرائط تُرسم على الورق، ولا أجهزةً إدارية تُدار بالتوقيعات والأختام. الدولة، قبل كل شيء، عقدٌ أخلاقي بين المجتمع والسلطة؛ تعهدٌ ضمني بأن يكون القانون أعلى من الأشخاص، وأن يكون الاستحقاق أقوى من القرابة، وأن تكون الكفاءة هي اللغة الوحيدة التي تُفهم داخل مؤسساتها.

وحين ينكسر هذا العقد، لا تبدأ الأزمة في الإدارة، بل تبدأ في الضمير الجمعي.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب دولةً ناشئة ليس الفقر، فالفقر يُقاوم، ولا ضعف الموارد، فالموارد تُخلق، ولا حتى الأزمات السياسية، فهي عابرة بطبيعتها. أما أن تنهار منظومة المعايير، فذلك هو الخراب الذي لا يُرى، لأنه يأكل الدولة من داخلها، بينما يترك واجهتها قائمة.

الدولة التي لا تجعل الكفاءة معيارًا، لا تُقصي الأكفاء فحسب، بل تُصدر إلى المجتمع فلسفةً جديدة للحياة، مفادها أن النجاح لا يولد من العمل، وإنما من القدرة على الالتفاف على قواعده.

وهنا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والقاعدة إلى استثناء.

تصبح الشهادة وثيقةً للتزيين، والخبرة تفصيلًا لا وزن له، والنزاهة نوعًا من السذاجة السياسية، بينما ترتفع أسهم الزبونية، وتُتداول المحسوبية باعتبارها مهارة اجتماعية، ويغدو الولاء الشخصي عملةً أقوى من الكفاءة، وأكثر قابليةً للصرف في أسواق السلطة.

وعند هذه اللحظة، لا تعود الدولة تصنع النخب، بل تبدأ النخب في صناعة دولةٍ على مقاس مصالحها.

والأخطر من ذلك أن المجتمع يتعلم سريعًا.

فالأجيال لا تحفظ الخطب الرسمية، بل تحفظ الوقائع.

وحين ترى أن من يرفع صوته أعلى، يحصد أكثر، وأن من يحترف تسويق المظلومية أقدر على اقتناص المواقع من صاحب الإنجاز، فإنها لن تبحث عن العلم بقدر ما ستبحث عن الوسيلة الأكثر ربحًا للوصول.

وهكذا تتحول المظلومية من قضية عدل إلى صناعة، ومن صرخة حق إلى مشروع استثمار، وتصبح الانقسامات الإثنية والطبقية والجهوية أسواقًا سياسية تدر الأرباح على تجارها، لأن الدولة أخطأت يوم جعلت الضجيج طريقًا إلى المكافأة.

وليس ثمة ما يهدد الوحدة الوطنية أكثر من أن يشعر الناس أن العدالة لم تعد عمياء، بل أصبحت ترى الأسماء قبل أن ترى الكفاءات.

ومن هنا يبدأ الانهيار الحقيقي.

ليس انهيار الاقتصاد...

ولا انهيار الإدارة...

بل انهيار الإيمان.

الإيمان بأن الصدق فضيلة نافعة، وأن الأمانة طريق، وأن الوفاء للوطن قيمة تستحق التضحية.

فإذا فقد المجتمع هذا الإيمان، فلن يحتاج الفساد إلى من يدافع عنه؛ إذ يصبح هو المنطق الجديد الذي يعيد الناس ترتيب حياتهم على أساسه.

لقد أمضى جيلٌ كامل عمره وهو يقنع أبناءه بأن التعليم هو السلم الوحيد للصعود، وأن الدولة، مهما تأخر إنصافها، لا بد أن تعود إلى رشدها، وأن العدالة قد تتعثر لكنها لا تموت.

غير أن هذا الجيل يقف اليوم أمام امتحانٍ أشد قسوة من كل امتحانات الحياة: كيف يقنع أبناءه بالعودة إلى وطنٍ غادروه وهم يحملون المعرفة، بينما يرونه يكافئ من أتقن العلاقات أكثر مما يكافئ من أتقن التخصص؟

بأي لغة يمكن للأب أن يشرح لابنه أن سنوات الجد لم تكن عبثًا، بينما يرى بأم عينه أن كثيرًا من مفاتيح الفرص لا تفتحها الكفاءة، وإنما تفتحها شبكات النفوذ؟

إن هجرة العقول ليست أخطر خسائر الدولة...

الأخطر منها أن تهاجر الثقة.

فالعقول يمكن أن تعود.

أما الثقة، فإذا كسرت، احتاج ترميمها إلى أجيال.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن نعترف بأن دولتنا ما تزال شابة في عمر الأمم. فما يقارب سبعة عقود ليست عمرًا كافيًا للحكم على المصائر النهائية للدول. وما نراه اليوم ليس قانونًا تاريخيًا، بل نتيجة خيارات بشرية قابلة للتصحيح، متى امتلكت الدولة شجاعة العودة إلى أصل فكرتها: دولة القانون، لا دولة الامتيازات؛ دولة المؤسسات، لا دولة العلاقات؛ دولة المواطنة، لا دولة الوسطاء.

إن الأمم لا تسقط حين ينضب مالها، وإنما حين ينضب رصيدها الأخلاقي.

ولا ينهار الوطن يوم يعجز عن تشييد جسر، وإنما يوم يعجز عن بناء الثقة بينه وبين أفضل أبنائه.

فكل شيء يمكن استيراده من الخارج...

إلا الإيمان بالوطن.

وكل شيء يمكن تعويضه...

إلا جيلٌ اقتنع أن العدالة مجرد خطاب، وأن الكفاءة ليست طريقًا، وأن الأوطان لا تكافئ أبناءها إلا إذا خاصموها.

وحين تبلغ دولةٌ هذه اللحظة، فإن السؤال لم يعد: كيف نبني المستقبل؟

بل يصبح السؤال الأكثر وجعًا: كيف نقنع من سيبني المستقبل ألا يرحل؟

إن الدول لا تفقد مستقبلها عندما يهاجر علماؤها... بل عندما يصبح بقاؤهم فيها مخاطرة، ورحيلهم عنها قرارًا عقلانيًا.

حمادي سيدي محمدآباتي