وصياالشيخ التضييق ... كيف ترھق المواطن وتقنعھ أن يصبر؟

بواسطة yahya

 

لما حضر شيخُ التضييق وفاضت روحه إلى بارئها، نادى ابنه وقال له:
يا بني، لقد تركت لك إرثًا عظيمًا، ليس من الإبل ولا العقارات، وإنما خبرة طويلة في إدارة التضييق على الناس. فاحفظ عني هذه الوصايا، فإن عملت بها ضمنت لنفسك مكانًا بين كبار المضيقين.
أولًا: لا تترك المواطن يفرح كثيرًا، فالفرح يولد الأمل، والأمل أخطر من كل الأزمات.
ثانيًا: إذا أصلحت طريقًا، فاترك الحفر على الجانبين حتى يشعر الناس أن التنمية مرت من هنا لكنها كانت مستعجلة.
ثالثًا: اجعل كل معاملة بسيطة تحتاج إلى ثلاثة مكاتب، وأربعة أختام، وخمسة توقيعات، ثم أخبر صاحبها أن "النظام متوقف" وعليه العودة غدًا.
رابعًا: أكثر من اللجان، فكلما كثرت اللجان قلّت الحلول، وأصبح الاجتماع أهم من الإنجاز.
خامسًا: إذا طالب الناس بخدمة أساسية، فشكّل لجنة لدراسة إمكانية تشكيل لجنة للنظر في الموضوع.
سادسًا: لا تجعل القانون واضحًا أكثر من اللازم، فالغموض نعمة، وكلما احتار المواطن زادت هيبة الإدارة.
سابعًا: إذا اشتكى الناس من الغلاء، فحدثهم عن الصبر، وإذا اشتكوا من البطالة، فبشرهم بالمستقبل، وإذا اشتكوا من المستقبل، فذكّرهم بالماضي.
ثامنًا: احذر من الشفافية، فهي تكشف ما تحب أن يبقى مستورًا، أما الضبابية فهي الصديق الوفي لكل إدارة كسولة.
تاسعًا: إذا رأيت موظفًا نشيطًا، فأكثر من تكليفه حتى يملّ، وإذا رأيت موظفًا كسولًا، فلا تزعجه حتى لا يغضب منك.
عاشرًا: لا تنس الإعلام؛ فإن مدحك فقل إنه حر، وإن انتقدك فاتهمه بعدم فهم "خصوصية المرحلة".
أما المثقف يا بني، فلا تخشاه كثيرًا؛ فهو غالبًا مشغول بالرد على مثقف آخر، بينما تمضي الحياة من حولهما.
وإذا سمعت الناس يتحدثون عن الإصلاح، فابتسم وقل: "الإصلاح يحتاج إلى وقت"، ثم كرر الجملة نفسها كل عام حتى يحفظها الجميع.
لكن... انتبه يا بني.
فقد أخطأ أبوك في وصية واحدة، ولم يدركها إلا وهو على فراش الرحيل.
ذلك أن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى. وأن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تموت. وأن الأوطان لا تُبنى بالتضييق، بل ببسط الحقوق، واحترام القانون، وفتح الأبواب أمام الكفاءة، ومحاربة الفساد، وصون كرامة المواطن.
وحينها تنهد الشيخ وقال:
"لقد أفنيت عمري أعلّمك كيف تُضيّق على الناس... وكان الأولى أن أعلّمك كيف تخدمهم."
ثم أسلم الروح... وبقيت الوصية مجرد سخرية، لعلها توقظ ضميرًا، أو تزرع ابتسامةً تحمل في طياتها دعوةً صادقةً إلى الإصلاح

عبدالله محمدالحيمر.