يخطئ كثيرون حين يعتقدون أن أزمة الدول تبدأ من القصر الرئاسي أو البرلمان أو مجلس الوزراء. فالدولة ليست سوى النتيجة الأخيرة لسلسلة طويلة من القيم والعلاقات والأفكار التي تتشكل داخل المجتمع. وما الحكومة إلا صورة مكبرة لما يسكن في الوعي الجمعي. لذلك، فإن المجتمع الذي يفشل في إنتاج أخلاق سياسية ناضجة، لن ينجح أبدا في إنتاج حكومة عادلة، ولا معارضة مسؤولة، ولا نخبة مستقلة، ولا اقتصاد منتج، ولا عقد اجتماعي يحترم الإنسان.إن السلطة لا تهبط من السماء، بل تخرج من رحم المجتمع. إنها تتغذى على عاداته، وتستعير لغته، وتعيد إنتاج أخلاقه بصورة أكثر تنظيما وقوة. فإذا كان المجتمع يمجد المحسوبية، ويكافئ الوصولية، ويعتبر الكذب مهارة، ويخلط بين الولاء للأشخاص والولاء للوطن، فمن السذاجة أن ينتظر حكومة تؤمن بالشفافية أو العدالة أو سيادة القانون.
الفساد السياسي ليس مرضا يصيب الدولة وحدها، بل هو الامتداد الطبيعي لفساد اجتماعي سبقها بسنوات. الموظف الذي يقبل الرشوة لم يولد فاسدا، بل نشأ في بيئة تعلم أن القانون قابل للبيع، وأن الحقوق يمكن شراؤها، وأن النفوذ أهم من الكفاءة. والسياسي الذي يسرق المال العام لم يخترع أخلاقه داخل مكتبه، وإنما حملها معه من مجتمع اعتاد تبرير الخطأ إذا صدر من ابن القبيلة أو الحزب أو الطائفة.ولهذا، فإن الحديث الدائم عن تغيير الحكومات يبدو أحيانا نوعا من خداع الذات. فكم من نظام سقط، وكم من رئيس رحل، وكم من انقلاب وقع، ثم عادت الممارسات نفسها بأسماء جديدة وشعارات مختلفة. يتغير الأشخاص، لكن العقل السياسي يبقى كما هو، لأن المجتمع لم يراجع الأسس الأخلاقية التي ينتج بها السلطة.
والمعارضة ليست دائما الطرف النقي في هذه المعادلة. ففي كثير من البلدان، لا تختلف المعارضة عن السلطة إلا في موقعها الجغرافي. إنها تعارض لأنها خارج الحكم، لا لأنها تحمل رؤية أخلاقية مختلفة. ترفع شعارات الحرية وهي محرومة من القوة، ثم تنسى تلك الشعارات عندما تصبح القوة بين يديها. ولهذا تتحول الديمقراطية إلى مجرد عملية لتبادل المواقع، لا لتبادل القيم.أما النخبة، التي يفترض أن تكون ضمير المجتمع، فقد أصبحت في كثير من الأحيان مجرد طبقة تبحث عن الامتيازات. بعض المثقفين لا يكتبون دفاعا عن الحقيقة، بل دفاعا عن الجهة التي تمنحهم المنصب أو الشهرة أو التمويل. وهكذا تتحول الثقافة إلى سلعة، ويتحول الفكر إلى وظيفة، ويفقد المثقف دوره التاريخي بوصفه ناقدا للسلطة والمجتمع معا.وليس غريبا بعد ذلك أن يفشل الاقتصاد. فالإنتاج لا ينمو في بيئة تكافئ الولاء أكثر من الكفاءة، ولا تزدهر الصناعة في مجتمع يفضل الاستهلاك على الابتكار، ولا تتقدم التكنولوجيا حيث يصبح الاجتهاد أقل قيمة من العلاقات الشخصية. الاقتصاد ليس مجرد أرقام، بل هو انعكاس مباشر للأخلاق العامة. وكلما ضعفت قيم الانضباط والمسؤولية واحترام الوقت، ضعفت معها القدرة على بناء اقتصاد حقيقي.
و يفشل العقد الاجتماعي أيضا. فلا يمكن لمجتمع يقدس الانتماءات الضيقة أن يؤسس دولة المواطنة. حين تصبح القبيلة أو الطائفة أو الحزب أعلى من القانون، تتحول الدولة إلى ساحة صراع دائم بين الهويات، لا إلى فضاء يجمعها. ويصبح الانتماء الوطني شعارا يرفع في المناسبات، بينما تحكم الواقع ولاءات ما قبل الدولة.إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الفقر ولا التخلف، بل انهيار الأخلاق السياسية. فعندما يفقد الناس احترامهم للحقيقة، تصبح الإشاعة أقوى من المعرفة. وعندما يسقط احترام القانون، تصبح القوة هي المصدر الوحيد للحق. وعندما يغيب الشعور بالمسؤولية، تتحول الحرية إلى فوضى، والديمقراطية إلى سوق للمصالح، والوطن إلى غنيمة تتنافس عليها الجماعات.ولهذا فإن إصلاح الدولة لا يبدأ من كتابة دستور جديد أو إجراء انتخابات جديدة أو تغيير الوزراء. كل ذلك قد يكون ضروريا، لكنه يظل سطحيا إذا بقيت البنية الأخلاقية للمجتمع كما هي. فلا قيمة لدستور يحمله مواطن لا يحترم القانون، ولا قيمة لانتخابات يصوت فيها الناس للعصبية قبل الكفاءة، ولا قيمة لمؤسسات حديثة يديرها عقل تقليدي لا يؤمن بالمساءلة.
إن الأمم العظيمة لم تبن قوتها بالسلاح وحده، ولا بثرواتها الطبيعية، وإنما بثقافة سياسية جعلت احترام القانون فضيلة، والصدق قيمة، والعمل واجبا، والمصلحة العامة أعلى من المصالح الشخصية. أما المجتمعات التي تعيش على تمجيد الأشخاص، وتقديس الزعماء، وتبرير الأخطاء، فإنها تعيد إنتاج أزماتها جيلا بعد جيل. ليست الدولة سوى مرآة كبيرة. وإذا كانت صورة المرآة قبيحة، فليس من الحكمة تحطيمها، بل ينبغي النظر إلى الوجه الذي تقف أمامه. فالحكومة الفاسدة، والمعارضة الانتهازية، والنخبة المتواطئة، والاقتصاد المتعثر، ليست إلا أعراضا لمرض أعمق اسمه انهيار الأخلاق السياسية. وما لم يجرؤ المجتمع على مواجهة هذا المرض، سيبقى يدور في الحلقة نفسها، يغير الحكام، ويكتب الدساتير، ويحتفل بالشعارات، بينما يستمر الفشل في إنتاج الدولة التي يحلم بها.
#زكريا_نمر




