حين ترفع الخطوط الحمراء

بواسطة yahya

.         .
يُفترض في أي حوار وطني شامل أن يكون فضاءً مفتوحًا لتبادل الرؤى، لا ساحةً انتقائية يُسمح فيها ببعض الأسئلة ويُحظر فيها البعض الآخر. ففكرة “الشمولية” في ذاتها تحمل دلالة فلسفية وسياسية واضحة: لا موضوع خارج النقاش، ولا قضية تعلو على المساءلة الجماعية. وعليه، فإن إعلان انطلاق حوار “بلا خطوط حمراء” ليس مجرد شعار إجرائي، بل هو التزام أخلاقي ومنهجي يقتضي من جميع الأطراف احترام مقتضياته.
غير أن المفارقة تظهر حين تبادر بعض الأطراف—وفي هذه الحالة المعارضة—إلى وضع خطوط حمراء منذ الجلسة الأولى، وعلى رأسها منع نقاش موضوع المأموريات. هنا لا يتعلق الأمر فقط باختلاف في المواقف، بل بتناقض في المنطق ذاته: كيف يمكن القبول بمبدأ الشمولية ثم تقويضه انتقائيًا عند أول اختبار عملي؟
إن هذا السلوك يثير جملة من الإشكالات:
أولًا، من حيث المبدأ، لا يمكن لحوار أن يكون شاملًا إذا خضع لانتقائية مسبقة. فالشمولية ليست قائمة مواضيع يُختار منها، بل هي استعداد مبدئي لقبول النقاش في كل ما يهم الشأن العام، مهما كان حساسًا أو مثيرًا للجدل. وضع خطوط حمراء مسبقة يعني عمليًا تحويل الحوار إلى تفاوض محدود، لا إلى نقاش وطني مفتوح كما أراد فخامة الرئيس.
ثانيًا، من حيث المصداقية، فإن التراجع عن روح الاتفاق يضعف الثقة بين الأطراف. فالحوار لا يقوم فقط على تبادل الآراء، بل على الثقة في نوايا المشاركين. وعندما يشعر طرف بأن الآخر ينتقي ما يناسبه ويستبعد ما يحرجه، فإن ذلك يخلق انطباعًا بأن الحوار ليس بحثًا عن حلول، بل إدارة للأزمات أو تأجيل لها.
ثالثًا، من حيث المنطق السياسي، فإن تحصين بعض القضايا من النقاش لا يلغي وجودها، بل يؤجل انفجارها. فالقضايا الكبرى—ومنها مسألة المأموريات—ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل هي مرتبطة بطبيعة النظام السياسي وتوازناته. ومن ثم، فإن إخراجها من دائرة الحوار لا يعني حلها، بل إبقاءها كامنة خارج إطار المعالجة الجماعية.
قد يُقال إن بعض المواضيع تمس “ثوابت” أو “استقرارًا” ينبغي الحفاظ عليه. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية، يصطدم بحقيقة أن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على تجنب النقاش، بل على استيعابه. فالمجتمعات التي تؤجل أسئلتها الكبرى لا تتجاوزها، بل ترحلها إلى لحظات أكثر توترًا وأقل قابلية للحل.
إن الموقف الأكثر اتساقًا مع فكرة الحوار الشامل ليس فرض أجندة مغلقة، ولا فتح نقاش فوضوي، بل القبول المبدئي بمناقشة كل القضايا ضمن أطر مسؤولة، مع الاحتكام في النهاية إلى التوافق أو الآليات الدستورية. فالحوار ليس بالضرورة وسيلة لتغيير كل شيء، لكنه يجب أن يظل فضاءً لطرح كل شيء.
خلاصة القول: إن وضع خطوط حمراء داخل حوار معلنٍ بلا خطوط حمراء لا يعكس حذرًا سياسيًا بقدر ما يكشف عن توتر بين الخطاب والممارسة. وإذا كان الهدف من الحوار هو بناء الثقة وإيجاد حلول مستدامة، فإن أول شروطه هو احترام قواعده كما أُعلنت، لا إعادة صياغتها عند أول اختبار.

محمدسالم الوذان