يمدحون الذئب وهو خطر عليهم، ويحتقرون الكلب وهو يحرسهم؛ ينجذبون إلى شراسة الأول، ويستخفون بوفاء الثاني. وكأن بعض الناس لا يقيسون قيمة الآخرين بما يقدمونه لهم، بل بما يثيرونه في نفوسهم من رهبة، أو بما يملكونه من قدرة على الإيذاء.
إنها مفارقة إنسانية قديمة، لكنها تزداد وضوحًا حين نتأمل واقعنا السياسي والاجتماعي؛ حيث تختلط أحيانًا معايير الاحترام بمعايير القوة، وتُقاس المكانة بمدى النفوذ، لا بقدر العطاء، ويصبح صاحب المواقف المبدئية أقل حظوة من صاحب القدرة على المناورة وإثارة المخاوف.
في موريتانيا، كما في مجتمعات أخرى، قد نجد من يرفع من شأن من يتعالى عليه، ويبالغ في تقدير من لا يتردد في إهانته، بينما لا يمنح القدر نفسه من التقدير لمن يقف إلى جانبه، ويخدمه بإخلاص، ويحفظ له الود، ويصون مصالحه. وقد يحدث أن يُنظر إلى الوفاء باعتباره ضعفًا، وإلى التسامح باعتباره عجزًا، وإلى الاستقامة باعتبارها سذاجة سياسية، بينما تُسوَّق القسوة والمراوغة والقدرة على الإقصاء باعتبارها علامات قوة وحنكة.
وفي المشهد السياسي، تظهر هذه المفارقة حين يُكافأ أصحاب الضجيج على حساب أصحاب العمل، ويُسترضى من يلوّح بالانسحاب أو الخصومة، بينما يُؤخذ الملتزمون والموالون على أنهم مضمونون، فلا حاجة إلى الإنصات إليهم أو الاعتراف بجهودهم. وهنا تكمن إحدى مشكلات العمل السياسي: أن يتحول الوفاء إلى عبء على صاحبه، وأن تصبح إثارة الأزمات وسيلة أكثر فاعلية من تقديم الإنجازات للحصول على الاهتمام والمكاسب.
أما اجتماعيًا، فإن الظاهرة لا تقل حضورًا؛ إذ قد نبالغ في احترام من يجرح كرامتنا لمجرد مكانته أو نفوذه، ونقلل من شأن من يقدم لنا المعروف، لأننا اعتدنا وجوده إلى جانبنا. ننسى أحيانًا أن الإنسان الذي يساندنا في أوقات الشدة ليس أقل قيمة من ذلك الذي نخشى غضبه، وأن الكرامة لا تُقاس بقدرة المرء على إخافة الآخرين، بل بقدرته على احترامهم وصون حقوقهم.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نخلط بين الوفاء والتبعية، ولا بين القوة والعدوان، ولا بين الاحترام والخوف. فليس كل من خدم يستحق التقدير لمجرد خدمته، وليس كل من خالفنا أو عارضنا خصمًا، كما أن النقد الصادق قد يكون أخلص صور الوفاء، والموقف المستقل قد يكون أصدق تعبير عن المحبة والمسؤولية.
إن المجتمعات التي تحترم أصحاب النفوذ أكثر مما تحترم أصحاب المواقف، وتكافئ من يثير المخاوف أكثر مما تكافئ من يصنع الطمأنينة، إنما تؤسس، من حيث لا تدري، لثقافة النفاق والانتهازية، وتدفع أصحاب الكفاءة والنزاهة إلى الصمت أو الانسحاب.
نحن بحاجة، في موريتانيا، إلى مراجعة هادئة لمعايير التقدير والاعتراف؛ في السياسة كما في العلاقات الاجتماعية. نحتاج إلى أن نُحسن مكافأة المخلص دون أن نجعل إخلاصه قيدًا عليه، وأن نحترم المعارض دون أن نعتبر مخالفته خيانة، وأن نقدر صاحب الموقف دون أن ننتظر منه أن يتحول إلى مصدر تهديد حتى نلتفت إليه.
فالذئب قد يفرض احترامه بالخوف، لكنه لا يمنح الأمان، والكلب قد لا يثير الإعجاب بمظهره، لكنه يؤدي وظيفة الحراسة والوفاء. وبين الخوف والأمان مسافة كبيرة، لا يدرك قيمتها إلا من يعرف الفرق بين من يحيط به لأنه ينتظر الفرصة، ومن يقف إلى جانبه لأنه اختار الوفاء.
وأخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا ليس أن يكثر فيه الذئاب، بل أن يعتاد احتقار من يحرسون مصالحه، حتى يصبح الوفاء فيه تهمة، والاستقامة سذاجة، والابتزاز ذكاءً، والخوف احترامًا.
مع تحياتي
#بلدي_فخري
عبدالله ولدمحمدالحيمر




