نحو مرجعية وطنيةجامعة لمعالجة ملف الإرث الإنساني في موريتانيا

بواسطة yahya

 

 

 

 

ورقة تأطيرية في المفاهيم والمبادئ

مقدمة

تُعد القضايا المرتبطة بالذاكرة الوطنية والإرث الإنساني من أكثر القضايا حساسية في حياة الأمم، لأنها لا تتعلق بمجرد خلاف في التقدير أو اختلاف في قراءة حدث من الأحداث، وإنما تمس كرامة الإنسان، والسلم الأهلي، ووحدة المجتمع، وثقة المواطنين في دولتهم ومؤسساتهم. ولهذا، فإن الأصل في هذه القضايا أن تكون عاملًا للوحدة الوطنية والتضامن، لا سببًا للانقسام أو التوتر.

ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقتضي أن يُدار النقاش حول هذه الملفات بهدوء ورصانة، بعيدًا عن التوتر ومحاكمة النوايا، وعن منطق الإقصاء أو احتكار الحديث باسم الذاكرة. فالقضايا الكبرى المرتبطة بالماضي لا تُعالج بمنطق الغلبة بين الروايات، وإنما بمنطق البحث عن الحقيقة والإنصاف، ولا تُبنى على افتراض امتلاك الحقيقة النهائية من طرف واحد، وإنما على قواعد موضوعية تسمح بالتحقق والتقييم.

وتزداد أهمية هذا الاعتبار في الحالة الموريتانية، حيث ما يزال النقاش يجري في فضاء تتعدد فيه السرديات، في ظل غياب حقيقة مؤسسية مكتملة، وعدم اكتمال الأرشيف والوثائق المتعلقة بمختلف مراحل هذا الملف. ولذلك، فإن المنهج السليم يقتضي التمييز بين الذاكرة باعتبارها حقًا إنسانيًا لكل من عاش تجربة أو حمل شهادة، وبين الحقيقة التي تترتب عليها آثار قانونية ومؤسسية، والتي لا تُنتجها السرديات وحدها، وإنما ينتجها التحقيق المستقل والتوثيق والإجراءات التي تحددها المؤسسات المختصة.

وانطلاقًا من ذلك، فإن هذه الورقة لا تروم مناقشة الوقائع التاريخية، ولا المفاضلة بين السرديات القائمة، ولا الدفاع عن قراءة معينة للماضي، وإنما تسعى إلى تحديد الإطار المفاهيمي والمرجعي الذي ينبغي أن يحكم أي نقاش جاد حول ملف الإرث الإنساني، انطلاقًا من المبادئ التي استقرت عليها التجارب المقارنة في مجال العدالة الانتقالية.

فالاتفاق على المرجعية يسبق، من الناحية المنهجية، الاختلاف حول الوقائع؛ لأن سلامة النتائج مرتبطة بسلامة المفاهيم والمعايير التي ننطلق منها.

أولًا: ضبط المفاهيم مدخل أساسي للمعالجة

إن أول ما ينبغي الاتفاق عليه في هذا النوع من الملفات هو المفاهيم التي تؤطر النقاش. فالمفاهيم ليست مجرد تعريفات لغوية، وإنما هي معايير تحدد مجال النظر، وطبيعة الحقوق، وصفة الضحايا، وآليات المعالجة.

ومن هنا، فإن مفهوم الإرث الإنساني لا ينبغي أن يُختزل في واقعة بعينها، أو فترة زمنية محددة، أو تجربة جماعة دون أخرى، وإنما ينبغي النظر إليه باعتباره إطارًا جامعًا لكل الانتهاكات الجسيمة التي مست الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية، متى ثبتت وفق المعايير القانونية والإجرائية المعتمدة.

ولا يعني هذا إطلاق أحكام مسبقة على الوقائع، أو توحيد أوصافها القانونية، وإنما يعني إخضاع جميع الحالات التي تندرج ضمن هذا المجال لمرجعية واحدة، تسمح بالتحقيق والتقييم الموضوعي.

ثانيًا: العدالة الانتقالية إطار مرجعي للمعالجة

لقد أثبتت التجارب المقارنة أن معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لا تتم عبر النسيان أو التسويات الظرفية، وإنما عبر مسار مؤسسي يقوم على مجموعة من المبادئ المتكاملة، وهو ما تعبر عنه العدالة الانتقالية.

وتقوم العدالة الانتقالية على عناصر أساسية، من بينها كشف الحقيقة، والاعتراف بالضحايا، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. وهذه العناصر لا تمثل خيارات منفصلة، وإنما منظومة متكاملة، يختل هدفها إذا تم اعتماد بعضها وإهمال البعض الآخر.

ومن أهم مبادئها أن العدالة لا تتجزأ، وأن الإنصاف لا يقبل الانتقائية. فلا يجوز أن يكون الاعتراف بالمعاناة أو الحق في المعالجة مرتبطًا بهوية الضحية أو انتمائها أو موقعها، وإنما بطبيعة الانتهاك وثبوته وفق المعايير الموضوعية.

ثالثًا: شمولية الملف وعدم الإقصاء

إن شمولية ملف الإرث الإنساني تمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة والإنصاف. غير أن شمولية الملف لا تعني توحيد الوقائع أو التسوية بينها، ولا تعني توحيد التكييف القانوني أو صور الجبر، لأن لكل حالة خصوصيتها، ولكل ضرر طبيعته وآثاره.

إن المقصود بالشمولية هو أن تخضع جميع الحالات التي تدخل في نطاق الملف للإطار المرجعي نفسه، ولضمانات التحقيق نفسها، ولمعيار العدالة نفسه، مع ترك المجال لتقدير خصوصية كل حالة وفق ظروفها وملابساتها.

فالعدالة لا تتحقق بالمساواة الشكلية بين حالات مختلفة، وإنما بالجمع بين وحدة المعيار واحترام الخصوصية. ولذلك فإن مراعاة خصوصية الحالات لا تتعارض مع شمولية الملف، بل هي جزء من تحقيق الإنصاف.

ومن هنا، فإن أي مقاربة تقوم على استبعاد بعض الحالات ابتداءً، أو إقصاء بعض الضحايا من مجال الاعتراف، أو اختزال الإرث الإنساني في جزء منه، لا تنسجم مع مبادئ العدالة الانتقالية، لأنها تؤدي إلى تجزئة العدالة بدل تحقيقها.

رابعًا: الذاكرة الوطنية ورفض الاحتكار

إن الذاكرة الوطنية لا يمكن أن تكون ملكًا لفئة واحدة أو رواية واحدة. فهي تتشكل من تجارب متعددة، ومن شهادات مختلفة، ومن آلام عاشها أفراد وجماعات في مراحل مختلفة.

ولا يعني الاعتراف بتعدد الذاكرات القبول بكل قراءة باعتبارها حقيقة نهائية، كما لا يعني السعي إلى إلغاء أي ذاكرة. وإنما المطلوب هو بناء إطار وطني يسمح لكل أصحاب التجارب بالتعبير عن ذاكرتهم، مع الاحتكام في إنتاج الحقيقة المؤسسية إلى قواعد التحقيق والتوثيق.

إن احتكار الذاكرة أو احتكار تعريف الإرث الإنساني لا يخدم العدالة، كما أن إقصاء بعض الذواكر لا يخدم المصالحة. فالطريق السليم هو الانتقال من تنازع الذكريات إلى بناء مرجعية مشتركة تحمي حق الجميع في الاعتراف والإنصاف.

خامسًا: الابتعاد عن الحلول الظرفية والتسويات المغلقة

إن الملفات المرتبطة بالذاكرة الوطنية لا يمكن أن تعالج بحلول ظرفية أو بتسويات مغلقة، لأنها تتعلق بحقوق وبآثار ممتدة في المجتمع.

وقد تساهم التوافقات السياسية في فتح الطريق أمام المعالجة، لكنها لا يمكن أن تحل محل الحقيقة المؤسسية، ولا أن تقوم مقام التحقيق أو التكييف أو تقدير الضرر.

فالمصالحة المستدامة لا تُبنى على تجاوز الأسئلة الصعبة، وإنما على مواجهتها ضمن إطار يضمن الحقيقة والعدالة والإنصاف لجميع المعنيين.

سادسًا: الهيئة الوطنية المستقلة واختصاص المعالجة

إن طبيعة هذا الملف تقتضي وجود إطار مؤسسي مستقل يتولى المهام التي لا يمكن أن تُحسم في المجال السياسي أو في النقاش العمومي.

فالتحقيق في الوقائع، وتحديد طبيعة الانتهاكات، وتكييفها قانونيًا، وتعريف الضحايا، وتقدير الأضرار، واقتراح آليات الجبر، كلها مسائل تحتاج إلى مؤسسة تتمتع بالاستقلالية والشرعية القانونية.

ولا تتمثل وظيفة الهيئة الوطنية المستقلة في تبني سردية معينة أو إقصاء أخرى، وإنما في الاستماع إلى جميع الأطراف، والتحقق من الوقائع، وتطبيق معايير واحدة على جميع الحالات، بما يضمن الثقة في مخرجاتها.

خاتمة

إن معالجة ملف الإرث الإنساني في موريتانيا لا تبدأ من محاولة فرض قراءة واحدة للماضي، وإنما من الاتفاق على المرجعية التي تنظم البحث في هذا الماضي.

فالمطلوب ليس توحيد السرديات، وإنما توحيد قواعد العدالة؛ وليس إلغاء خصوصية الحالات، وإنما ضمان معالجتها ضمن إطار شامل وعادل؛ وليس احتكار الذاكرة، وإنما بناء ذاكرة وطنية تتسع لجميع التجارب.

إن المجتمعات لا تتجاوز ماضيها بإنكار الذاكرة أو بإقصاء بعضها، وإنما بتحويل الذاكرة إلى معرفة، والمعرفة إلى عدالة، والعدالة إلى ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات.

وهكذا يصبح الإرث الإنساني، بدل أن يكون مصدرًا لاستدامة الانقسام، فرصة لتعزيز الثقة والوحدة الوطنية وبناء دولة أكثر إنصافًا تجاه جميع مواطنيها.

إحالات مرجعية مختارة

  • الأمم المتحدة: تقارير ومبادئ حول سيادة القانون والعدالة الانتقالية.
  • لويس جوينيه وديان أورنتليخر: مبادئ مكافحة الإفلات من العقاب والحق في الحقيقة.
  • بول ريكور: الذاكرة، التاريخ، النسيان.
  • تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة بالمغرب.

سيدي محمد ولد التھام