الجيل المعاصر ...يستهلك ثمار العلم بلا تعليم، وينغمس في لذات الحياة بلا قيم (رؤية نقدية)

بواسطة yahya


" الجيل الذي لا يدرك قيمة العلم، لن يدرك حجم خسارته إلا عندما يعجز عن مواجهة واقع يتطلب معرفة لم يسعى إلى اكتسابها إتقانها " (الكاتب).

يهدف المقال إلى تفكيك التناقض بين التقدم التكنولوجي وتراجع الوعي المعرفي والأخلاقي، واستشراف انعكاساته على قدرة الجيل المعاصر على مواجهة تحديات واقعه وصناعة مستقبله.

ينظر قطاع كبير من الجيل المعاصر إلى العلم بوصفه طريقاً شاقاً لا يستحق العناء، أو مهنة يبدد الفقراء أعمارهم في تحصيلها، بينما ينصرف هو إلى استهلاك مفرزات العلم التكنولوجية دون اكتراث بالعقول التي أنتجتها أو المعرفة التي قامت عليها. وتكشف هذه المفارقة عن اختلال في منظومة القيم، تتراجع فيه مكانة المعرفة والإنتاج الفكري أمام ثقافة الاستهلاك والإشباع السريع، ويقاس النجاح بما يتيحه من متعة ومظاهر مادية، لا بما يقتضيه من جهد أو يحققه من إضافة معرفية وإنسانية.

ولا تقتصر المشكلة على العزوف عن التعلم، بل تمتد إلى نمط من التنشئة الاجتماعية تتراجع فيه القيم الأخلاقية بوصفها ضوابط للسلوك، ويضعف فيه الانضباط الذاتي والقدرة على تأجيل الرغبات وتحمل مشقة الإنجاز، لصالح ثقافة تجعل المتعة غاية، والتسلية أسلوب حياة، والإشباع الفوري معياراً للاختيار. وفي ظل هذا التحول، يغدو التفكير العميق عبئاً، والقراءة مشقة، والالتزام قيداً، بينما تكتسب الممارسات الاستهلاكية السريعة جاذبية متزايدة، بصرف النظر عن قيمتها أو عواقبها. وهكذا لا يعود الفرد مطالبًا بفهم العالم بقدر ما يصبح منشغلاً باستهلاك ما يقدمه له، دون مساءلة لشروط إنتاجه أو القوى التي تتحكم في تدفقه وتوجيهه.

أما الخطر السوسيولوجي الأعمق، فيكمن في أن اجتماع العزوف عن المعرفة مع تراجع الضوابط الأخلاقية وصعود النزعة الاستهلاكية يهيئ لنشوء أفراد يمتلكون أدوات العصر دون امتلاك الكفاءة الفكرية التي تمكنهم من توظيفها باستقلال ووعي. فهم يستهلكون منتجات العقل البشري، لكنهم لا يستثمرون بالقدر نفسه في بناء عقول قادرة على الإنتاج والابتكار، ويطالبون بالحرية، لكنهم قد يصبحون أسرى رغبات تصنعها الأسواق والمنصات الرقمية وتعيد توجيهها باستمرار. وبذلك يتحول الإنسان، الذي يفترض أن يكون غاية التقدم وفاعله، إلى موضوع للاستغلال الاقتصادي والتوجيه الثقافي، تستثمر رغباته وتستنزف أوقاته ويختزل وجوده في أنماط من الاستهلاك المتكرر.

وإذا ترسخ هذا المسار، فإن كلفته لن تقتصر على تراجع التحصيل العلمي، بل ستمتد إلى ضعف الإنتاجية والإبداع، وتآكل المسؤولية الاجتماعية، واتساع القابلية للتضليل والتبعية الثقافية والتكنولوجية. فالمجتمع الذي يستهلك العلم دون أن يقدّر المعرفة، ويطلق الرغبات دون أن يهذبها بقيم أخلاقية، قد يجد نفسه أمام جيل متصل بأحدث تقنيات العالم، لكنه منفصل عن شروط التقدم الحقيقي، جيل يمتلك وسائل متطورة للمتعة، لكنه يفتقر إلى أدوات الفهم والإنتاج، ويريد ثمار الحضارة دون تحمل أعباء بنائها. وعندئذ لا تكون الأزمة في نقص الإمكانات وحده، بل في تراجع الإنسان القادر على تحويل الإمكانات إلى معرفة وقيمة ومستقبل.

وفي الختام نعتقد أن المجتمع الذي ينشأ فيه جيل بلا بوصلة أخلاقية ولا طموح معرفي، لا يحصد غداً سوى العجز عن مواجهة أزماته، والتبعية لمن يملكون القدرة على التفكير والتغيير. أليست هذه هي الحقيقة أصدقائي الأعزاء؟
د. حسام الدين فياض