لم يأن لموريتانيا أن تدرك أن الرھان الاسترات تيجي على الغرب استنزاف للفرص والوقت؟

بواسطة yahya


بشر بوتين -وهو يمده للأفارقة في المؤتمر الأفريقي الروسي- "بأفول عصر سيطرة الغرب"، تلك القوة التي استعمرت العالم واستنزفت ثروات شعوبه، ووضعت قواعد العلاقات الدولية بما يخدم مصالحها ويحافظ على تفوقها، وقد ظل العالم بسبب ذلك يواجه تحديات متزايدة نتيجة سوء استغلال القوة، وضياع فرص التعاون والشراكة المتكافئة مع بقية الشعوب.
إن بوتين يرشدنا لحقيقة ماثلة؛ فلقد آن الأوان لأن تعيد دول العالم النظر في علاقاتها الاستراتيجية مع الغرب، وأن تتساءل بجدية: هل كانت هذه العلاقات وسيلة لتحقيق التنمية والاستقلال وبناء القوة، أم أنها تحولت إلى آلية لاستنزاف الموارد وإدامة التبعية ومنع الانتقال إلى مرحلة امتلاك العلم والتكنولوجيا وأدوات القوة والسيادة؟
إن تجارب عدد من الدول التي اعتمدت لعقود على الغرب في مجالات التسليح والتكنولوجيا والتنمية، ومنها دول إفريقية وعربية، تواجه اليوم لوحدها نتيجة ذلك الخيار أنها كانت تسلك الطريق الخطأ؛ فبعد كل تلك العقود والأموال الطائلة لم تنجح في بناء قدرات وطنية مستقلة، ولم تمتلك القوة لحماية مصالحها والدفاع عن نفسها عندما تتعرض لأزمات أو تهديدات خارجية.
وفي المقابل، تُقدم تجارب دول اختارت مسارات تنموية مستقلة، أو أعادت توجيه علاقاتها الدولية، دروسًا يستحق أن نتعلم منها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر ببناء الصناعة الوطنية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز القدرات العسكرية والاقتصادية مثل: الهند، وتركيا، وجنوب إفريقيا، والبرازيل، وكوريا الجنوبية، وإيران، وإن اختلفت هذه الدول في نماذجها الاقتصادية والسياسية وفي طبيعة علاقاتها الخارجية. وهكذا استطاعت أن تخرج من معادلة الغرب والاستمرار في علاقة غير متكافئة: طرف يمتلك التكنولوجيا ورأس المال وأدوات التأثير، وطرف يمتلك الثروة والموارد الطبيعية لكنه يفتقر إلى الوسائل التي تمكنه من استغلالها بل ويزداد حاجةً لذلك.
وهذا النمط من العلاقات هو أحد ملامح النظام الدولي الذي تشكل خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، بفعل التفوق العلمي والصناعي والعسكري للقوى الغربية، والاستعمار، وإعادة صياغة العلاقات الدولية بما يحافظ على مصالح الدول الأقوى ونفوذها.
غير أن العالم لم يعد كما كان، فقد ظهرت قوى جديدة، وبدأت موازين الاقتصاد والتكنولوجيا والتأثير الدولي تتغير، وأصبحت دول عديدة تبحث عن شركاء جدد يتيحون لها توسيع خياراتها، وتنويع مصادر التسليح، والحصول على التكنولوجيا، وبناء قدراتها الإنتاجية.
وفي مقدمة هذه القوى تبرز الصين التي حققت تحولًا اقتصاديًا وصناعيًا هائلًا، إلى جانب روسيا التي تسعى إلى توسيع حضورها الاقتصادي والعسكري الدولي، فضلًا عن تجارب أخرى.
لقد بدأت دول العالم الثالث تتحرر تدريجيًا من فكرة أن التقدم لا يتحقق إلا عبر بوابة الغرب، وأصبحت أكثر إدراكًا لضرورة البحث عن مصالحها بين مختلف مراكز القوة؛ وهكذا تخلصت دول مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو من المظلة الفرنسية، وأخذت المغرب تنفتح على كل الأطراف بما مكنها من بناء اقتصاد صاعد، وكذلك ابتعدت الجزائر خطوات عن الغرب التقليدي.
وفي الوقت نفسه، تواجه الدول الغربية تحديات اقتصادية وصناعية وسياسية، وتتعرض بعض اقتصاداتها ومؤسساتها لضغوط داخلية وخارجية من أزمة الديون السيادية، إلى إفلاس عشرات آلاف الشركات، إلى التوترات الاجتماعية المفتوحة، فيما تتصاعد المنافسة الدولية على الأسواق والموارد ومناطق النفوذ، وتحتل إفريقيا وموريتانيا خصوصًا مكانة مرموقة عندما يتم استغلال وضعها في هذه المنافسة.
ولعل ما شهدناه في التحركات الأمريكية نحو الخليج، وما رافقها من مساعٍ للحصول على استثمارات والتزامات مالية من تلك الدول قادها ترامب نفسه في بداية مأموريته، ثم الانخراط في حروب غير مبررة تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية... وفي أوروبا، تتزايد النقاشات حول ضرورة استعادة القدرة على المنافسة، وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، والسيادة الطاقوية بالأساس، وتطوير القدرات الدفاعية، في ظل أزمات اقتصادية وسياسية وتحديات أمنية متشابكة تجعل الصورة واضحة عن حالة الغرب اليوم.
وفي المقابل، تواصل الصين تعزيز موقعها بوصفها قوة صناعية وتكنولوجية وتجارية كبرى، فيما تسعى روسيا إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع دول إفريقيا وآسيا وغيرها.
ماذا بالنسبة لموريتانيا؟
قد أصبحت الصين شريكًا تجاريًا رئيسيًا لموريتانيا، كما توسعت علاقاتها الاقتصادية مع مختلف دول القارة الإفريقية. وتتيح هذه التحولات فرصًا ينبغي أن تستثمرها، لا بمجرد تغيير الشريك، بل بفرض شروط جديدة تجعل التعاون قائمًا على نقل المعرفة والتكنولوجيا، وتطوير الصناعات المحلية، وخلق فرص العمل، وتعزيز القدرة الوطنية على اتخاذ القرار.
إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا: لماذا لا نستفيد نحن من التحولات الجارية في النظام الدولي؟ ولماذا نظل محتاجين إلى الخارج في كل شيء: مجالات التسليح، والتكنولوجيا، واستخراج الموارد، رغم ما نملكه من ثروات وإمكانات؟
إننا بحاجة إلى مراجعة جادة لتجربتنا مع الشركاء التقليديين، وإلى الانفتاح على شركاء جدد، وفي مقدمتهم الصين وروسيا، من دون أن يعني ذلك أن هؤلاء يقدمون مصالحنا على مصالحهم، لكن بناءً على عقيدة التعاون نفسها التي تعني الانتقال من التبعية إلى الشراكة، ومن استهلاك التكنولوجيا إلى امتلاكها، ومن تصدير المواد الخام إلى بناء اقتصاد ينتج القيمة المضافة.
فما الذي يمنعنا من استثمار هذه التحولات لبناء شراكات أكثر توازنًا، ونحن في أمسّ الحاجة إلى تطوير قدراتنا العسكرية، وتحديث صناعاتنا الاستخراجية، وبناء اقتصاد منتج، وتوطين التكنولوجيا والمعرفة؟
إن موريتانيا اليوم أمام وضع جيوسياسي بالغ الحساسية؛ فالمغرب والجزائر يتنافسان على توسيع حضورهما في إفريقيا، وتحتل موريتانيا موقعًا مهمًا في حسابات هذا التنافس، بحكم موقعها الجغرافي وصلاتها بالمغرب العربي ومنطقة الساحل وغرب إفريقيا.
كما أن علاقاتنا مع السنغال تتداخل فيها مصالح اقتصادية واستراتيجية كبيرة، في مقدمتها الطاقة والغاز والثروة السمكية والتبادل التجاري، بما يستدعي إدارة هذه المصالح على أساس الوضوح والتوازن وحسن استثمار الفرص المشتركة.
أما مالي، فتجمعنا بها روابط جغرافية واجتماعية واقتصادية عميقة، لكن الاضطرابات الأمنية والاختلافات في المقاربات السياسية والأمنية تفرض علينا تطوير سياسة إقليمية واقعية تحمي مصالحنا وتمنع انتقال الأزمات إلى داخل بلدنا.
وفي الوقت نفسه، تمتلك موريتانيا ثروات معدنية وموارد للطاقة لم تستغل بعد والعالم بحاجة لها، إضافة لحاجتها هي الماسة لها، وثروات سمكية وزراعية مهمة، وموقعًا استراتيجيًا على المحيط الأطلسي يجعلها مؤهلة للعب دور أكبر في الربط بين المغرب العربي والساحل وغرب إفريقيا. غير أن هذه الإمكانات لن تتحول تلقائيًا إلى قوة ما لم نمتلك رؤية واضحة لاستثمارها، ونحسن إدارة علاقاتنا مع القوى الإقليمية والدولية.
إن هذا الوضع يفرض على موريتانيا البحث عن شراكات استراتيجية تساعدها على بناء قوتها الوطنية، وحماية مصالحها، وتطوير استخراج المعادن، وتحويل جزء من إنتاجها محليًا، وتحديث الزراعة والصيد، وتوطين التكنولوجيا، وبناء قدرات دفاعية تتناسب مع احتياجاتها وإمكاناتها.
وهنا تبرز أهمية الصين وروسيا بوصفهما شريكين محتملين ينبغي لموريتانيا أن توسع التعاون معهما في القطاعات التي يمكن أن يقدما فيها قيمة مضافة حقيقية. لكن المطلوب ليس توقيع اتفاقيات جديدة لمجرد تغيير وجهتها، وإنما التفاوض على مشاريع محددة تنقل التكنولوجيا، وتدرب الكفاءات الوطنية، وتؤسس للصناعة المحلية، وتضمن مصالح الدولة على المدى الطويل.
إنها ليست دعوة إلى قطع العلاقات مع الدول الغربية، أو إغلاق أبواب التعاون معها؛ فالمصالح الوطنية تقتضي الانفتاح على الجميع والاستفادة من الفرص المتاحة أينما وجدت، لكن التنبيه هنا يكمن في أنه من حقنا، بل من واجبنا، أن نعيد تقييم تجربة امتدت لستة عقود دون أن نجني إلا مزيدًا من التخلف.

محمدمحمود.ولدبكار