حين تكشف أبسط مھمة عجز مؤسسة المتقاعدون العسكريون بين أزمة التنظيم وإشكالية التمثيل

بواسطة yahya



تقتضي الحكمة المؤسسية ألا تُقاس نجاعة الإدارات بحجم هياكلها ولا ببريق شعاراتها، بل بقدرتها على صون الكرامة الإنسانية في أبسط تفاصيل الخدمة وأشدها ملامسة لحاجة المواطن. وفي هذا السياق، تطرح وضعية المتقاعدين العسكريين في موريتانيا، وعلاقتهم بكل من رابطة المتقاعدين (AMRAN) ووزارة الدفاع، إشكالاً حيوياً يتجاوز التفاصيل الإجرائية العابرة إلى عمق البنية التنظيمية والمسؤولية الأخلاقية للمؤسسة.
لقد ظل الوعي بحقيقة التحديات المؤسسية داخل رابطة (AMRAN) دافعاً للتريث؛ إذ لم يكن النقد هدفاً بحد ذاته، بل البحث عن معالجة بنيوية تستهدف أصل الخلل لا شخوص القائمين عليه. غير أن الحوادث الظاهرة -مهما بدت بسيطة في أدبيات المھنة -تحمل في طياتها دلالات كاشفة لأزمات الهيكلة والتواصل.
من المبادرة الفردية إلى الاستحواذ المؤسسي
نشأت رابطة متقاعدي الجيش (AMRAN) في الأصل كإطار محدود الأفق والموارد، صُمم لخدمة دائرة ضيقة من المنتسبين المقربين من قيادة الأركان. ومع التحولات المتلاحقة وازدياد أعداد المتقاعدين، تقرر تحويلها إلى رابطة جامعة تحت إشراف القيادة العامة. بيد أن البنية الوظيفية للرابطة ظلت رهينة ظروف نشأتها الأولى، مما أدى إلى عزوف قطاع واسع من المعنيين عن الانخراط فيها، ليبقى الإطار عاجزاً عن استيعاب شريحة تتسع احتياجاتها وتتعدد متطلباتها يوماً بعد يوم.
سنتان من الضبابية الإدارية
قبل عامين، اتُّخذ قرار استراتيجي بنقل ملف المتقاعدين العسكريين إلى مظلة وزارة الدفاع عبر إنشاء إدارة خاصة تعنى بشؤونهم. كان المأمول من هذا التحول أن يؤسس لمرحلة جديدة تعتمد قاعدة بيانات شاملة، وتضمن آليات تدفق الخدمة والرعاية الصحية بدقة وشفافية. غير أن الواقع العملي أظهر استمرار النمطية؛ إذ ظلت الوزارة تتكئ على الهيكل القديم للرابطة دون إعادة هيكلته أو إخضاعه لمقتضيات التكليف الجديد. إن التبعية الإدارية ليست مجرد تحول في الألقاب، بل هي التزام يستوجب تطوير الأدوات وإعادة بناء القنوات الرسمية.
حادثة 19 سبتمبر: اختبار الكفاءة والكرامة
تجلى هذا الاختلال الهيكلي بوضوح في تنظيم الرحلة العلاجية إلى العيادات الصينية بتاريخ 19 سبتمبر. فالعملية التي أُعدت لنقل 124 مسجلاً عبر ثلاث حافلات، شهدت تدفق أعداد مضاعفة بلغت ثلاثة أضعاف الطاقة الاستيعابية المخطط لها. وبدلاً من مواءمة الخطط مع حجم الإقبال - ونتيجة لقباء الإدارة اللوجستية - تم الإبقاء على الوسائل ذاتها، مما أسفر عن مشاهد مؤلمة من التدافع، والاكتظاظ، والإرهاق المضاعف لمرضى وكبار سن يُفترض أن تحاط كرامتهم وصحتهم بأعلى درجات الرعاية.
ولم تقتصر الأزمة على الجانب اللوجستي، بل امتدت لتشمل إدارة الوقت والمعلومة؛ إذ أُدى الاستدعاء المبكر للمتقاعدين على الانتظار الشاق تحت حرارة الطقس، ليُفاجأ كثيرون منهم لاحقاً باقتصار الكشف الطبي على مرض واحد، متجاوزاً أسباب حرجهم الصحي. إن حق المستفيد في معرفة شروط الخدمة وضوابطها قبل تحمل مشقة التنقل هو جزء لا يتجزأ من الحق في الخدمة ذاتها.
إشكالية التمثيل وحجم الاستحقاق
تطرح هذه التجربة أسئلة جوهرية حول عدالة تدفق المعلومة والتمثيل. فالعضوية الطوعية في رابطة (AMRAN) لا ينبغي أن تكون شرطاً حصرياً للاستفادة من المبادرات الموجهة لجميع المتقاعدين العسكريين. إن احتكار الخدمة أو حجب المعلومة عن غير المنتسبين للرابطة يفرغ التمثيل المؤسسي من مضمونه، ويحوله من خدمة عامة إلى أداة لتعزيز النفوذ الفئوي.
نحو مراجعة جذرية للمنظومة
إن الإصلاح المنشود لا يستهدف صداماً مع الرابطة ولا إلغاء وجودها، بل يفرض الانتقال من حالة الشلل المؤسسي إلى الاستحقاق التنظيمي الصريح. يقع على عاتق وزارة الدفاع اليوم حسم هذه العلاقة الضبابية عبر مسارين متوازيين:
التنظيم المباشر: بناء قاعدة بيانات شمولية وتأسيس قنوات تواصل رسمية ومباشرة مع كافة المتقاعدين دون وساطة شرطية.
إعادة هيكلة الرابطة: تحديث البنية الداخلية لـ (AMRAN) لتكون إطاراً جامعاً يستند إلى شرعية الاختيار، والحوكمة الشفافة، والقدرة التشغيلية التي تليق بتضحيات أبناء المؤسسة العسكرية.
إن المتقاعد العسكري الذي أمضى زهرة شبابه في خدمة الوطن، يمتلك الحق الكامل في منظومة إدارية ترعى شؤونه بكفاءة، وتضع كرامته في صدارة أولوياتها. ولعل درس حادثة 19 سبتمبر ينبغي أن يكون بداية القطيعة مع الارتجال، والمدخل الفعلي لبناء إطار مؤسسي يصون الحق، ويضمن العدالة، ويحفظ كرامة الإنسان.

سيدي محمد التهامي