مقدمة: لماذا نكتب عن العرية؟
في بلادٍ يُقاس فيها الانتماء بمدى قربك من القصر الرئاسي، وتُصاغ فيها المأساة على هامش الخرائط، قد يبدو الحديث عن بلدة صغيرة مثل "العرية" نوعاً من الترف الأدبي أو الانحياز للهامش. لكن الوطن يا صديقي لا يُفهم من واجهات عاصمته المضيئة، بل من تلك الزوايا المنسية التي سُرق منها كل شيء لتعيش العاصمة.
نكتب عن "العرية" لأنها ليست مجرد قطعة أرض تابعة لمقاطعة "واد ناقة" في ولاية "ترارزة"، بل لأنها المُرآة الأصدق لكل خيبات الموريتانيين. إنها التجربة النموذجية لكيف تُدار الدولة: بالتبعية، وبصفقات الليل، وبتحالفات الدين ورأس المال. نبدأ بها لأنها الأكثر قرباً من قلب العاصمة نواكشوط؛ قريبةٌ جداً لدرجة أنها تسمع صخب العاصمة، وبكفاءةٍ عالية تجعلها حقل تجارب لكل جشاط إداري أو استثماري يُراد له أن يُولد بعيداً عن أضواء الصحافة.
العرية: العذراء التي تمنح العذوبة وتشرب السراب
يقطنها ثمانية آلاف روحٍ صامدة، لكن صيف نواكشوط الحارق يسكب في أحشائها أضعاف هذا الرقم ثلاث أو أربع مرات، حين يفر أبناء العاصمة نحو هدوء المنسيين.
المأساة في "العرية" ليست في شح الموارد، بل في طوفانها المعكوس! إنها خط عبور المأساة الموريتانية بامتياز:
تمرّ من فوق جسدها خطوط الكهرباء القادمة من نهر السنغال لتُنير قصور نواكشوط، وتطوف أراضيها مشاريع الرياح للطاقة النظيفة، وتستقر في حوزتها الترابية محطة تحلية المياه التي تروي عطش العاصمة... ومع ذلك، وحتى كتابة هذه السطور، تعيش هذه البلدية المكلومة بلا ماء ولا كهرباء و لم يكن هناك مشروع للذلك في تاريخ البلدية !
إنه الكبرياء الجريج لأرض تُعطي كل شيء، وتقتات على العتمة والعطش، كعشيقةٍ مهجورة أخذ منها الحبيب كل مفاتنها ثم تركها لمصيرها.
سلالة النفوذ: من عباءة الشيخ إلى صفقات اليعاقبة
منذ ميلاد هذه البلدية، كانت السلطة فيها طقساً عائلياً يُمارس برعايةٍ دينية. كان أول عمدة لها الشيخ والعالم سيد أكليكم ولد متالي رحمة الله عليه؛ رجلٌ من جيل التأسيس، امتلك من الذكاء والبراغماتية ما جعله يتقن لعبة التانغو مع كل الأنظمة الحاكمة.
كان مقرباً من المختار ولد داداه في أوج أزمة مقتل أبناء عمومته على يد رجل من "أولاد بسباع" يدعى دياه ولد الشاش—وهو أول من شُدّ على عنقه حبل الإعدام في تاريخ الدولة الفتية لفرض هيبة النظام.
رحل الشيخ، وكان منطق التوريث السياسي أسرع من خيال الديمقراطية. انتُخب ابنه لمرابط ولد أكليكم عمدةً، لكن الأخير سرعان ما أدرك أن بناء المساجد بأموال المحسنين الخليجيين أكثر أماناً وتدفقاً من دردشات البلديات العقيمة! تنازل عن كرسي العمودية في صفقة سياسية عجيبة، ليفرغ نفسه لاحقاً لتمثيل المقاطعة في البرلمان، بينما ظل أخوه—مدير صندوق الضمان الاجتماعي السابق الذي أزيح إبان انقلاب على سيدي ولد شيخ عبد الله—خارج مضمار هذا السيرك السياسي المحلي.
ولأن الكرسي لا يبدو يتيماً أبداً، سُلِّم للطفل المدلل والمطيع: التلميذ بمب ولد سالك.
بمب ولد سالك: فن اقتطاع الرمل وزمن الثراء السريع
ينتمي "بمب" إلى قبيلة لا تملك شوكة اجتماعية تؤهلها لمطامع الملك، لكنه كان التلميذ المخلص لبيت "أهل متالي". امتلك الرجل وصفة سحرية جعلك تعتقد أن البلدية معدمة، بينما هي في الحقيقة مناجم من ذهبٍ أصفر يسمى "الرمل"!
على مدى أكثر من عقد من الزمان، حوّل "بمب" البلدية إلى مقاطعة جباية شخصية:
2000 أوقية عن كل شاحنة رمل صغيرة.
5000 أوقية عن الشاحنات الكبيرة المتجهة لبناء أبراج العاصمة.
تحول العمدة إلى ثريٍّ يشار إليه بالبنان، بينما عجزت البلدية في عهده الأغبر عن بناء مدرسة واحدة تلملم أطفال القرى، أو سوقٍ بسيط يقي الباعة حرّ الشمس! كان صامداً بدعم الحزب الحاكم، كتمثالٍ من الشمع لا يذوب إلا إذا تغيرت حرارة التحالفات.
غزوة الأخوال: عندما يشتري "المال الجريء" كراسي السياسة
في انتخابات 2019، انتهت اللعبة بالنسبة لـ"بمب" الذي وجد نفسه بلا حليف. سقط العمدة المخلوع على يد لاعبين قدامى بقناع جديد: أبناء بني يحيى.
وهم أخوال "أهل متالي" (فأم لمرابط جد أهل متالي منهم و تسمى دليتٌ منهم)، وأحد أثرى أثرياء هذا الوطن. هم الذين امتلكوا أوائل رخص الاستيراد والتصدير، وارتبطت أسماؤهم بكبريات القضايا والصفقات التي شغلَت الشارع:
من "دنيدن" الملياردير في زمن معاوية و"لبحيد" صاحب مياه "صفاء" وفضيحة الشكوة الماء من حنفية و تباع انها مياه معدنية الشهيرة..
إلى "ولد شمد" وصدمة تزوير سجائر "المارلبورو"..
وصولاً إلى المتهم الرئيسي في شحنات "الحبوب المهلوسة" التي كانت حديث الساعة.قبل اشهر قليلة
تدخل هؤلاء الأخوال، فقلبوا الطاولة. نجح عمدة منهم تحت عباءة حزب "تواصل" ضد بمب ولد سالك، بينما حافظ "لمرابط ولد أكليكم" على مقعده النيابي عن حزب السلطة (الاتحاد من أجل الجمهورية)، ودخلت الوجه الجديد أطفيلة منت حادن نائبة لرئيس المجلس الجهوي في ترارزة.
لكن الطموح لا ينتهي عند منتصف الطريق؛ فقد صعدت "أطفيلة" صاروخياً من حاكمة لعدة مقاطعات إلى والية على العاصمة الاقتصادية نواذيبو. وفي الانتخابات الأخيرة، أزيح "ولد أكليكم" نهائياً، ورُشح أخوها رجل الأعمال سالك ولد حادن نائباً عن حزب "إنصاف"... لتتحول العرية من فلك "أهل أكليكم" إلى ملكية حصرية لـ "فلك أهل حادن"!
الخاتمة: 800 هكتار من الدخان... والبحث عن وطن
لماذا حكيت لكم كل هذا؟
لأن القضية لم تعد مجرد تداول سلطة بين بيوتات المال والمشيخة، بل أصبحت استنزافاً للأرض والوجود! مؤخراً، صودق على اقتطاع 800 هكتار من أرض هذه البلدية لبناء "منطقة صناعية".
العرية—التي تمثل المتنفس الطبيعي لمئات العمال الذين يكدحون نهاراً في نواكشوط ويرجعون ليلاً للنوم في حضنها—ستصحو قريباً على أدخنة المصانع وتلوث الجو، دون أن يحصل أبناؤها على فرصة عمل واحدة في هذه المنشآت!
تسأل الساكنة بحسرة: هل أصبحت أراضينا التاريخية مجرد عقار موات يقتطعه الحكام لمن يشاءون؟
إن قصتنا مع "العرية" ليست إلا الحلقة الأولى من أرشيف أسود نحاول فيه تدوين التاريخ السري للعائلات التي تقاسمت موريتانيا. العرية كانت البداية لأنها الأقرب لعين العاصفة... والأسبوع القادم، سنفتح دفتر بلدية أخرى، لنكتشف أن الوجوه تتغير، والأسماء تختلف، لكن "المأساة الموريتانية" تظل مكتوبة بالحبر نفسه!
رملھ سيدي




