في اليوم الأخير من حياته داخل زنزانة أثينا، يقف أقرب حواريي الفيلسوف، أقريطون، حاملاً خطة محكمة لتهريب معلمه من حكم الإعدام الوشيك. يرفض سقراط هذا العرض، ويختار تجرع كأس السم بدلاً من النجاة الجسدية. يطرح هذا الموقف التاريخي إشكالية فلسفية حول الدوافع التي تجعل إنساناً يختار الموت طواعية وهو قادر مادياً على تفاديه، وهي إشكالية تتجاوز السردية الأخلاقية المباشرة لتلامس تقاطعات السياسة واللاهوت ونظرية العقد الاجتماعي.
تقوم الحجة السقراطية الأولى لرفض الهرب على مبدأ الخضوع للقانون، وهو المبدأ الذي أسس لاحقاً لما عُرف بنظرية العقد الاجتماعي. يطرح سقراط محاكمة متخيلة بينه وبين "قوانين أثينا"، محاججاً بأن المواطن الذي عاش في كنف دولة، واستفاد من حمايتها وتعليمها، يكون قد أبرم عقداً ضمنياً باحترام تشريعاتها، سواء جاءت لصالحه أو ضده. يمثل الهروب، من هذا المنظور، إعلاناً عملياً بتقويض المنظومة القانونية للمدينة بكاملها، وهو ما يتعارض مع مسيرته الفلسفية التي قامت على مواجهة الفوضى السفسطائية والبحث عن الحقيقة الثابتة. يتجاوز الالتزام بالقانون هنا طاعة الأشخاص (القضاة الذين أصدروا الحكم) ليصل إلى تقديس "القانون" بوصفه كياناً اعتبارياً يحفظ تماسك الاجتماع الإنساني.
يتجلى الدافع الثاني في البعد الميتافيزيقي المتمثل في "الدايمونيون" (Daimonion)، أو الصوت الداخلي الذي رافق سقراط طيلة حياته. يذكر سقراط أن هذا الصوت المانع، الذي اعتاد التدخل لثنيه عن الأخطاء أو الدروب المحفوفة بالمخاطر، التزم الصمت طوال فترة المحاكمة وحتى لحظة صدور الحكم. يفسر سقراط هذا الصمت بوصفه دليلاً على أن مسار الموت ليس شراً، وأنه يتوافق مع الإرادة الإلهية ومع الغاية الفلسفية المتمثلة في تحرر الروح من قيود الجسد.
تقف خلف هذه التبريرات الأخلاقية واللاهوتية خلفية سياسية معقدة، تسهم في تفسير إصرار خصوم سقراط على إزاحته، وتفسر كذلك إدراكه لصعوبة الاستمرار في أثينا. تشير المعطيات التاريخية إلى أن التهم الموجهة لسقراط (إفساد الشباب، وإنكار آلهة المدينة) شكلت غطاءً لتصفية حسابات سياسية. ارتبط اسمه بشخصيات أوليغارشية أسهمت في إسقاط الديمقراطية الأثينية، وعلى رأسهم ألكيبياديس، وكريتياس زعيم حكومة الطغاة الثلاثين. وقد حال صدور قانون "العفو العام" سنة 403 ق.م دون محاكمة سقراط بتهمة الخيانة السياسية من قبل قادة الحزب الديمقراطي العائد للسلطة بقيادة أنيتوس، فصيغت التهمة في قالب ديني أخلاقي بهدف الحد من تأثيره الفكري والسياسي. يبدو أن سقراط أدرك أن مدينته نبذته سياسياً قبل أن تدينه قضائياً، وأن الهرب كان سيجرده من مشروعيته الفكرية ويحوله إلى مجرد طريد.
يبرز هنا تباين بين قراءتين لمحاكمة سقراط: القراءة الأفلاطونية والقراءة التاريخية السياسية. تقدم السردية الأفلاطونية (في محاورتي الدفاع وأقريطون) سقراط بوصفه شهيداً للفكر الحر، ضحية للغوغاء وللديمقراطية، مات دفاعاً عن الفضيلة واستقلالية العقل. في المقابل، تطرح القراءة التاريخية مقاربة مغايرة؛ ترى في سقراط منظّراً أسهمت أطروحاته في تغذية نزعات تسلطية لدى بعض تلاميذه، وتعد محاكمته رد فعل من دولة ديمقراطية تسعى لحماية كيانها من تيار فكري تعتبره مهدداً لشرعيتها. يمثل الموت السقراطي في القراءة الأولى تضحية لاهوتية، وفي القراءة الثانية نتيجة للتورط غير المباشر في صراع سياسي.
الطيب بوعزة، السوفسطائي سقراط و"صغاره"، مركز نماء للبحوث والدراسات، 2017
#محاكمة_سقراط #فلسفة_القانون #تاريخ_الأفكار




