عندما تصبح العدالة موضوعًا للمراجعة
لا تنهار الدول حين تشح مواردها، بل حين يختل معيار الاستحقاق فيها. فكل أزمة سياسية أو اقتصادية يمكن احتواؤها، أما اضطراب المعيار الذي تُوزَّع به السلطة والمسؤولية والمكانة، فهو بداية تصدع الفكرة التي تقوم عليها الدولة نفسها.
من هنا، لا ينبغي النظر إلى الجدل حول الكفاءة والتمييز الإيجابي بوصفه خلافًا حول سياسات التوظيف، بل بوصفه سؤالًا في فلسفة العدالة. إذ ليس كل ما يبدو إنصافًا يفضي إلى العدل، كما أن المساواة ليست دائمًا وجهًا للإنصاف.
نشأ التمييز الإيجابي من إدراكٍ عميق بأن المساواة بين بدايات غير متساوية ليست عدلًا، وأن التاريخ قد يورث من الاختلالات ما يجعل الحياد القانوني عاجزًا عن إنتاج الإنصاف. لكنه يظل مشروعًا ما دام يعالج اختلالًا، لا ما دام يؤسس لاختلال جديد.
فحين يصبح الانتماء معيارًا لتوزيع الفرص، ولو باسم العدالة، تنتقل الدولة من منطق المواطنة إلى منطق الهويات، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويغدو التعويض امتيازًا، فتبدأ العدالة في نقض ذاتها.
وفي المقابل، ليست الكفاءة مفهومًا بريئًا من شروطه الاجتماعية؛ فالاستحقاق لا يولد في الفراغ، بل تصنعه منظومة التعليم والفرص والثقافة. لذلك فإن الدفاع عن الكفاءة لا يكتمل إلا بالدفاع عن تكافؤ الفرص، وإلا غدت الجدارة امتيازًا مقنعًا.
إن الدولة الرشيدة ليست تلك التي تُفاضل بين الكفاءة والإنصاف، بل التي تجعل الإنصاف طريقًا إلى الكفاءة، لا بديلًا عنها. فالمواطنة لا تستقيم بتوزيع الامتيازات، وإنما بتوحيد المعيار.
ولعل الفرق بين الدولة الحديثة والدولة الهشة لا يكمن في حجم ثرواتها، بل في قدرتها على إقناع مواطنيها بأن الفرص تُمنح على أساس الاستحقاق بعد ضمان عدالة الانطلاق. فحين يصبح القانون حارسًا لمعيار واحد، تتحول العدالة من شعار سياسي إلى ثقافة مؤسسية.
إن الأمم لا تُبنى بإنصاف الماضي وحده، ولا بتقديس الكفاءة مجردةً من سياقها، وإنما ببناء نظامٍ يجعل تصحيح التاريخ مرحلة، ويجعل الاستحقاق غاية، ويجعل المواطنة الإطار الوحيد الذي تذوب فيه جميع الانتماءات.
محمدسالم الوذان




