لا تُختبر قوة الدول في لحظات الإجماع، وإنما في قدرتها على إدارة الاختلاف. فالإجماع حالة عابرة، أما الاختلاف فهو القانون الدائم للحياة السياسية، والحوار هو الأداة الوحيدة التي تحول هذا القانون من مصدر للتهديد إلى مصدر للاستقرار.
غير أن الحوار لا يصبح فضيلة بمجرد انعقاده؛ إذ قد يتحول، إذا فقد بوصلته الأخلاقية، إلى غطاء للصراع بدل أن يكون سبيلًا لتجاوزه. فليست كل طاولة تجمع الخصوم تصنع وفاقًا، وإنما يصنعه مقدار ما يحمله الجالسون إليها من استعداد للتجرد، وقدرتهم على مغادرة ذواتهم نحو وطن يتسع للجميع.
وأول شروط هذا التجرد أن تُغلَّب المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة. فحين تدخل الأحزاب أو الجماعات إلى الحوار وفي أذهانها ما تربحه هي، لا ما يربحه الوطن، يصبح الحوار سوقًا للمساومات، لا ورشةً لبناء المستقبل. أما حين يدرك الجميع أن الأوطان لا تُدار بمنطق الغنائم، بل بمنطق المسؤولية، فإن الاختلاف نفسه يتحول إلى طاقة خلاقة.
ولا يقل خطرًا عن ضيق المصالح الارتهان لذاكرة الجراح. فالتاريخ ينبغي أن يكون معلمًا، لا سجنًا. أما تحويله إلى وقود دائم للخصومة، فليس وفاءً للعدالة، بل إدامة للصراع. إن الأمم التي تجعل من الماضي مرجعًا للحكمة تنهض، أما تلك التي تجعله مرجعًا للانتقام، فإنها تحكم على مستقبلها بأن يبقى أسيرًا لما مضى.
ومن أعظم آفات الحوار كذلك الشعور بالتفوق الأخلاقي أو السياسي؛ فالوطن لا يحتمل أوصياء على ضميره، ولا وكلاء حصريين للحقيقة. وكل خطاب يوحي بأن فريقًا وحده يمتلك الوطنية أو الحكمة أو الشرعية، إنما يهدم منطق الحوار من أساسه؛ لأن الحوار يبدأ حيث ينتهي الاستعلاء، ويزدهر حين يتواضع الجميع أمام فكرة الوطن.
إن الدولة ليست ذاكرة للثأر، بل مؤسسة للمستقبل. والسياسة ليست فن الانتصار على الخصوم، بل فن حماية المجتمع من الانقسام. ومن هنا، فإن قيمة الحوار لا تُقاس بعدد المقاعد حول الطاولة، وإنما بقدرة المشاركين على التحرر من الأحقاد، ومقاومة إغراء المكاسب الآنية، والارتفاع فوق الحسابات الصغيرة.
إن موريتانيا، وهي تدخل مرحلة جديدة من التوافق، لا تحتاج إلى أصوات تعيد إنتاج الانقسام، بقدر حاجتها إلى نخب تدرك أن الأوطان لا تبنى بالضجيج، وإنما بالحكمة؛ وأن التسامح ليس ضعفًا، بل أعلى درجات القوة السياسية؛ وأن التنازل للوطن ليس هزيمة، بل أرقى صور الانتصار.
ففي نهاية المطاف، لا يسجل التاريخ من ربح جولةً في سجال سياسي، وإنما يسجل من انتصر للوطن حين كانت النفوس مشدودة إلى غيره. وتلك هي الفضيلة التي تميز رجال الدولة عن أسرى اللحظة، وتميز الأمم التي تصنع تاريخها عن الأمم التي يستهلكها تاريخها.
...محمد سالم ولد الوذان
رسالة إلى المتحاورين حين ينتصر الوطن على الذاكرة




