بين القراءة والتأويل

بواسطة yahya

 

أخي العزيز الأستاذ محمد عبد الله ولد بين،

أشكرك على تعليقك الهادئ، وعلى ما أبديته من تقدير لرأيي رغم اختلافك معه، وهو ما يجعل الحوار أكثر قيمة وأقرب إلى البحث عن الحقيقة.

غير أنني أعتقد أن بين قراءتنا اختلافًا في زاوية النظر، لا في أهمية الموضوع. فأنا لم أكتب دفاعًا عن الأستاذ محمد فال ولد بلال، كما لم أكتب هجومًا على معالي الوزير الأول المختار ولد أجاي، وإنما حاولت أن أقرأ "الطلعة" بوصفها نصًا أدبيًا يحمل دلالات سياسية، شأن كل نص ساخر يستدعي حدثًا أو تصريحًا من الماضي ليضيء به الحاضر.

ولذلك لم يكن همي هو المفاضلة بين الرجلين، لأنني لا أرى أن أياً منهما يمثل النموذج الذي أطمح إليه في الحياة العامة. فكلاهما ينتمي إلى طبقة سياسية تداولت السلطة ومواقع النفوذ، ولكل منهما تجربته التي يملك التاريخ حق تقييمها.

أما القضية التي أردت إثارتها فهي أعمق من الأشخاص جميعًا، وتتعلق بالدور الذي ينبغي أن تضطلع به النخبة. فالنخبة، في تصوري، ليست وظيفتها أن تتحول إلى أداة لتجميل السلطة، ولا أن ترفع الأشخاص فوق المبادئ، وإنما أن تبقى ضميرًا ناقدًا، يقيس الحكام بميزان الحقوق والواجبات، لا بميزان القرب والبعد من دوائر النفوذ.

ومن هذا المنطلق، استوقفني ذلك النمط من الخطاب السياسي الذي يبالغ في تمجيد الحاكم إلى حد تفضيله على حاجات الناس الأساسية، أو تصوير منجزات عهد معين وكأنها بلغت حد الكمال. فهذه ليست مجرد عبارات عابرة، بل هي تعبير عن ثقافة سياسية أرى أنها أضرت ببلادنا أكثر مما نفعتها، لأنها جعلت الولاء للأشخاص يتقدم على الولاء للمصلحة العامة.

ولهذا لم أقرأ "الطلعة" باعتبارها دعوة لإحياء خصومة قديمة، بل باعتبارها مناسبة لإعادة طرح سؤال ما يزال حاضرًا: هل معيارنا في تقييم المسؤول هو مقدار الثناء الذي يُقال فيه، أم مقدار ما يتحقق للمواطن من حقوق وكرامة وخدمات؟

وأوافقك تمامًا على أن المسؤول ينبغي أن يُحاسب على إنجازه، لا على خطابه وحده. لكن الخطاب السياسي نفسه ليس أمرًا هامشيًا؛ فهو يكشف منظومة التفكير التي تُدار بها السلطة، ويؤثر في وعي المجتمع، ومن ثم فهو جدير بالنقد والمراجعة.

أما أنا، فلي ثوابت أحاول أن ألتزم بها، في مقدمتها الدفاع عن دولة المؤسسات، وترسيخ ثقافة المواطنة، ومقاومة كل ما يعيد إنتاج الشخصنة أو يفتح الطريق أمام النزعات الشمولية، أيًا كان حاملها، وأيًا كان المستفيد منها.

لذلك فإن قراءتي لم تكن انتصارًا لمحمد فال ولد بلال، ولا خصومة مع المختار ولد أجاي، وإنما كانت انتصارًا لفكرة أؤمن بها: أن الأوطان لا تُبنى بتقديس الرجال، وإنما تُبنى بسيادة المبادئ، واحترام الاستحقاق، وخضوع الجميع للنقد والمساءلة.

حمادي سيدي محمد آباتي