اخي الكريم، وصديقي العزيز، الأستاذ عبدالرحمن

بواسطة yahya

 

قرأت تعليقك كما تُقرأ الرسائل التي تأتي من أهل المودة؛ لا لأبحث فيها عما أوافقه أو أخالفه، وإنما لأزداد يقينًا بأن الحوار بين الأصدقاء يظل أجمل من اتفاقٍ لا روح فيه.

ولعلك تعلم أنني لم أستدعِ الماضي رغبةً في إيقاظ خصومة، ولا قصدت أن أمسّ جرحًا ظن الناس أنه التأم. وما كنت، يوم كتبت، على علم بأن عبارة عابرة قد توقظ ذاكرةً مثقلةً بما حملته السنوات من تنافساتٍ وحساسيات. فالأدب، في تصوري، لا يقتات من الأحقاد، وإنما يقتات من الأسئلة؛ ولا يزدهر في ظلال الخصومات، وإنما في رحاب التأمل.

ولذلك، فإنني لا أجد غضاضةً في أن يُنسب الفضل إلى أهله، أيًا كانت مواقعهم أو اختلافنا معهم. فالإنجاز، متى تحقق، يصبح ملكًا للوطن قبل أن يكون رصيدًا لصاحبه، والعدل يقتضي ألا يحجب الخلافُ فضيلةً، كما يقتضي ألا يحجب الثناءُ أوجه القصور.

غير أن للتنمية، في نظري، ميزانًا آخر لا تستقيم الأحكام إلا به. فليست التنمية أن تتبدل الوجوه وتبقى القواعد على حالها، ولا أن تُوزَّع المناصب فيُحسب ذلك إصلاحًا، ولا أن تُصنع الولاءات ثم تُسمى إنجازات. التنمية الحقة هي أن يشعر المواطن أن القانون فوق الجميع، وأن الوظيفة العامة حق للكفاءة لا هبةٌ للقرب، وأن المؤسسة أقوى من الأشخاص، وأبقى من التحالفات.

ومن هذا المنطلق، فإن ما شهدته الساحة من تعيينات تجاوزت المساطر المعلومة، أو من تمديدٍ لمواقع كان الأولى أن تتجدد بغير أصحابها، لا أستطيع أن أعده شاهدًا على نهضةٍ إدارية، مهما حسنت النوايا أو تعددت التبريرات. فالإصلاح لا يُقاس بعدد من استفادوا، وإنما بعدد من اطمأنوا إلى أن العدالة أصبحت قاعدةً لا استثناء.

أما حديثك عن الحكمة في استحضار الأقوال القديمة، فهو سؤال جدير بالتأمل. غير أن الماضي لا يصبح عبئًا لأنه ذُكر، بل لأنه لم يُفهم. والسياسة، شأنها شأن التاريخ، لا تُبنى على النسيان، وإنما على الذاكرة الواعية التي تستخلص العبرة دون أن تستدعي الضغينة، وتستحضر الوقائع دون أن تستحضر الأحقاد.

ويبقى ما لا يختلف عليه اثنان: أن الناس لا تعنيهم البلاغة إذا ظل الماء بعيدًا عن بيوتهم، ولا تملأ بطونهم الخطب إذا بقيت الخدمات تراوح مكانها. فالمواطن، في نهاية المطاف، لا يحاكم المسؤول بما قال، وإنما بما أنجز، ولا بما وعد، وإنما بما تحقق على الأرض.

دمت، أيها الصديق العزيز، قلمًا يعرف كيف يختلف بخلق، وكيف ينصف بكرم، وكيف يجعل من الحوار مساحةً يربح فيها الجميع، حتى حين تتباين وجهات النظر.

حمادي سيدي محمد آباتي