بين سخرية الأدب ومرايا السياسة

بواسطة yahya

 

ففي ظاهره، تبدو "الطلعة" رداً ساخراً على تصريح قديم نُسب إلى المختار ولد أجاي حين قال خلال زيارة للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز إلى مقطع لحجار إن الرئيس "أفضل من الماء والكهرباء". وقد استدعى محمد فال ولد بلال ذلك التصريح بعد سنوات، لا من باب استحضار الماضي فحسب، وإنما لأن الواقع أعاد إنتاج الظروف نفسها: عطش، وانقطاعات للكهرباء، وحرارة خانقة. وهنا يصبح الواقع نفسه شاهداً ضد الخطاب السياسي، وتتحول المعاناة اليومية إلى حجة لا تحتاج إلى مرافعة.

غير أن الرسالة الأعمق في النص لا تتعلق بأزمة الماء والكهرباء وحدها، بل تتعلق بمفهوم الولاء السياسي في مجتمعاتنا. فالشاعر لا يكتفي بتذكير الناس بتصريح قديم، وإنما يسلط الضوء على ظاهرة سياسية متكررة، هي انتقال بعض النخب من تمجيد شخص إلى تمجيد نقيضه دون مراجعة أو تفسير، وكأن المواقف لا تحكمها المبادئ بقدر ما تحكمها مواقع القوة. ومن هنا جاءت السخرية اللاذعة: فإذا كان المسؤول قد بالغ بالأمس في تمجيد رئيس معين إلى حد تفضيله على حاجات الناس الأساسية، ثم أصبح اليوم من أبرز المدافعين عن خصمه وخليفته، فإن السؤال لا يعود عن الأشخاص، بل عن ثبات القيم نفسها.

ومن هذه الزاوية يمكن ربط النص ببعض الموروثات الاجتماعية. فالتاريخ الاجتماعي الموريتاني عرف أدواراً تقليدية كان أصحابها مطالبين بالولاء للأشخاص أكثر من ولائهم للمبادئ. وكانت هناك وظائف اجتماعية محددة تقوم على خدمة الأمير أو الشيخ أو الزعيم، وتستمد مشروعيتها من قربها منه. ومع أن الدولة الحديثة قطعت شوطاً كبيراً في تفكيك البنية التقليدية للمجتمع وإحلال مفهوم المواطنة محل التراتبية القديمة، فإن بعض أنماط السلوك بقيت حاضرة بأشكال جديدة داخل المجال السياسي والإداري. فتغيرت الأسماء والمواقع، لكن ظاهرة الارتباط بالشخص النافذ، والدوران معه حيث دار، ما تزال تجد لها حضوراً في الممارسة السياسية.

ولذلك فإن قيمة نص محمد فال ولد بلال لا تكمن فقط في جماله الأدبي أو مهارته في توظيف اللهجة الحسانية، وإنما في كونه يطرح سؤالاً جوهرياً حول العلاقة بين السلطة والكرامة. فالمواطن الذي يطالب بالماء والكهرباء لا يطلب امتيازاً، وإنما حقاً أساسياً. والسياسي الذي يطلب من الناس التغاضي عن معاناتهم إكراماً لحاكم أو مسؤول، إنما يضع الأشخاص فوق المصالح العامة. وعندما يعود التاريخ بعد سنوات ليعيد طرح السؤال نفسه، فإن السخرية تصبح أداة لكشف التناقض أكثر من كونها مجرد وسيلة للهجاء.

وهكذا تبدو "الطلعة" أقرب إلى محاكمة للثقافة السياسية التي تقدّم الأشخاص على المبادئ، منها إلى محاكمة لشخص بعينه. إنها تذكير بأن الزعماء يرحلون، والمناصب تتبدل، أما الماء والكهرباء والكرامة وحقوق الناس فتبقى هي المعيار الحقيقي الذي تُقاس به قيمة الخطاب السياسي وصدقيته.

حمادي سيدي محمد آباتي.