تغييب المرأة مشهد آخر من مشاهد عبثيتنا السياسية
المحاصصة من حيث المبدإ تتعارض مع فلسفة الاقتراع المباشر وفلسفة التمثيل السياسي وتتعارض مع الذوق الديمقراطي السليم ، تستبطن الرداءة فتمنح بموجب التمايز -أيا كان عنوانه- ما لا يُستحق بالكفاءة وتزرع الكسل الذهني فلا يشعر المستفيد منها بالحاجة أن يستفز مكنونات ملكاته ليستحق، بعمله لا بوجوده، ما يريحه ويرضيه.
لكن الحوار "السياسي" الذي بدأ جلساته التمهيدية بالأمس هو بحد ذاته منتج تفكير محاصصي، لا قاعدة تحدد من يحضره ولا من يغيب عنه ، كل حزب يسعى، لا يملك في الغالب غير وصل لديه ، أن يحجز مقعدا علَّه ينال حضورا عجز أن يتحصل عليه عبر صناديق الاقتراع......شملت هذه المحاصصة طيفا واسعا من الأحزاب واستثنت النوع فلا حضور للمرأة من بين النيف والثلاثين مشاركا !!!! فلماذا تُستثني المرأة من المشاركة في رسم مستقبل بلد تزيد عن نصف مواطنيه وحاضنة لنصفه الآخر تنشئة ورعاية وتتصدر منتسبي جامعاته ومعاهده العليا وخريجيه !!!!! هل تداولت هذه الأحزاب في الموضوع وهي التي تنسق في كل شيء مرتبط بالحوار أم فاتها أن تنتبه إليه !!! أم أنه لا توجد امرأة رشيدة من بين منتسبي أي منها !!!
ما كان الأمر سيثير الاستغراب لو كانت المشاركة تتم عبر معايير استحقاقية محددة فشلت المرأة فيها كأن يقوم كل حزب بعملية اقتراع داخلي على ممثليه وما كان سيثير تساؤلا لو كان التمثيل يقوم على أساس أعلى نسبة تحصل عليها منتسب للحزب في آخر اقتراع وطني أو محلي أو غير ذلك من المفاتيح الناظمة غير التمييزية ، وما كان الأمر سيثير دهشة كبيرة لو كانت المرأة متوارية عن المشهد السياسي لا حضور لها فيه ولا تسعى إليه......فما السبب إذن !!!!
السبب الذي دفع بالبعض للمطالبة بالحوار أصلا والالحاح على تنظيمه في أسرع وقت ممكن هو الذي يفسر طبيعة المشاركة فيه والمشاركين وليس تغييب المرأة هدفا لأحد لكن مشاركتها لا تستحق أن يخسر من يتصدر واجهة الحزب مكانه في حوار يريده أصلا ليحضره والحزب ورقة بيده يدلي بها عند الحاجة وليس مشروع مجتمع يستفتى الناس عليه....
إن اللاشعور الجامع والمحرك الباطن لأقوال السياسيين وأفعالهم أن الحوار ينبغي خلقه ليس لحاجة فيه بل لأنه فرصة تساعدهم في الحصول على نصيب من مسؤولية أو جاه تقربهم زلفى من حيث يمكن أن ينالوا منفعة من الدولة لا يستحقونها عليها !!!!
لا يهمهم حاضر البلد ولا مستقبله -هل استفزت أحدهم أمواج المهاجرين غير الشرعيين، أو توترات الوضع الإقليمي .......- ولا يقدمون مشاريع مجتمعية بديلة ولا يتمايزون بعضهم عن بعض إلا بمقدار المسافة بين هذا مع الحاكم وذاك معه وينتجعون بين الخنادق بواقع ديناميكية توازنات العمل السياسي الحكومي، تماما كما يحصل مع القبيلة والشريحة والجهة ولا يستفيد غالبا من هؤلاء إلا من يتصدر المشهد ولم يحصل استثناء إلا في موضوع الانتخابات النيابية والبلدية والجهوية حيث ألزمت القوانين لوائح وطنية للنساء تخصها وترتيبا في اللوائح المشتركة وللشباب ألزمت نصيبا أيضا ولغيرهم ولولا هذه القوانين ما كان حزب دفع بامرأة للواجهة ولا بشاب .... فالمشكلة في الأحزاب "السياسية" أكثر بكثير من غيرها....
مستقبل الأوطان مشروع كبير ومسؤولية عظيمة لا توكل لمن لا يملك مشروعا سياسيا يؤمن به ويضحي من أجله ولا توكل لمن يملكه لكنه لا يتردد أن يعبث به وعند الضرورة يخفيه أو يتنصل منه ولا يتحدد من خلال الموقف من نظام ولا شخص حاكم......لقد فشلت كل الأحزاب في امتحان الهجرة وهو تحد وجودي وفشلت جل الأحزاب في اختبار الهوية وفشلت جميعها في بلورة مشروع وطني جامع لا مساومة فيه ولا محاباة......وليس تغيب المرأة اليوم الا عنوانا آخر من عناوين هذه العبثية المستديمة منذ حلت بالبلاد لعنة "ديمقراطية لابول"
إن البلاد تعيش في جو إقليمي متوتر وجو عالمي ضبابي غير مفهوم وليست بحاجة لحوار وإنما الحاجة أن تضطلع السلطة المنتخبة بدورها كاملا في إقامة العدل بين الناس واحقاق الحقوق وانصاف من تعرض للظلم أيا كان وتضمن تفعيل الدستور كاملا........
لقد آن الأوان للحظة مصارحة مع النفس ولحظة صدق مع الوطن ؛ فلا توجد أحزاب سياسية نكل إليها أمرنا ونعول عليها في التنمية السياسية لمجتمعنا......
فليتوقف الحوار وليمضي كل في طريقه ؛ سلطة منتخبة تدير الشأن العام بتفويض من غالبية الناخبين ومعارضة تراقب من خلال البرلمان وصحافة مستقلة تتقصى وتتحرى وقضاء مستقل لا سلطان لأحد عليه....
الدكتورمحمدولدالراظي




