ماأسھل.. ومااصعب ھذھ الوحدة!

بواسطة yahya

ما أسهل.. و ما أصعب هذه الوحدة!

من حين لآخر، تطل علينا  كتابات من إخوة كرام- لا مغمز في جديتهم و لا لوثة في العقل؛ و هم أبعد ما يكونون عن العبث في الأمور عموما -  يناشدون القوميين العرب ، البعثيين و الناصريين ربما بالتركيز على الموريتانيين منهم ، للتوحد في هذه الظروف بالغة الخطورة على وطنهم و على أمتهم- و هي مناشدة في محلها و في توقيتها،     و بمنتهى الوجاهة كما  تستدعيها ضرورة البقاء للخطاب الوطني القومي المنتكس في البلاد، و ضرورة الإبقاء على وجود موريتانيا في حدودها الجغرافية و السياسية الموروثة عن المستعمر الفرنسي، التي تتعرض لتهديد الانتقاص من أطرافها، إن لم يكن تجري مؤامرات إقليمية و دولية لنسف وجودها. غير أن صدقية هذه المناشدات و مصداقية الأسباب التي توجبها تخفيان تحديا بسيطا في ظاهره و عسيرا في عمقه: إن الخلاف بين البعثيين و الناصريين لا يتعلق اليوم  مطلقا بالقضايا الوطنية الكبرى،  و لا صلة له بخلاف قادة البعث و الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في موضوع من يتحمل المسؤولية عن انفراط الوحدة بين مصر و سوريا 1958، و لا في مسألة الترتيب بين أقانيم الشعار القومي: هل نبدأ بالوحدة و نثني بالحرية و ننتهي بالاشتراكية كما رتبها حزب البعث 1947، أم نبدأ بالحرية و نثني بالاشتراكية و ننتهي بالوحدة كما رتبها حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، 1962، أبدا... كما لا يتعلق أمر الخلاف بمن نعطيه لواء زعامة الأمة، المذبوحة ، و لا بمسألة النظرية القومية، من محددات الهوية الثقافية و الحقوق التاريخية و الحضارية للعرب ... كل هذه الأمور إما تجاوزها الزمن، و أما لها خاصية المرونة بما يسع الجميع، من دون مشاحة! 
في نظري أن التحدي العويص ، برغم وفرة عوامل الوحدة ، الذي يقف عائقا بنيويا  و يتفجر في كل حدث له بعد  قومي،  هو الاختلاف في مرجعية التقويم في المواقف السياسية  ؛ و هو ،على بساطته، ينطوي على درجة عالية من الصعوبة العملية، سياسيا. و إذا كان لا بد من تقديم مثال على ما أسميته بخلاف المرجعية في التقدير السياسي و ما يستتبعه من مواقف عملية، فيمكن أن يكون الموقف من النظام الملالي في إيران مثالا على هذا الأمر: فبينما يعتبر البعثيون أن هذا النظام كان شريكا للغزو الأمريكي- البريطاني- الصهيوني  لاحتلال دولة عربية و إسقاط النظام السياسي للبعثيين و قتل الآلاف من رفاقهم، بمن فيهم أعلى قادتهم،  على أيدي المليشيات المذهبية التابعة للمرجعية المذهبية لنظام الولي الفقيه في إيران، فضلا عن إبادة و تشريد و تهجير الملايين من الشعب العراقي و السوري ، و احتلال  إقليم الأحواز العربي و طمس  هويتهم الثقافية بالقوة ، و تفجير أكثر من قطر عربي بالفتن و الحروب الطائفية ، يعتبر الإخوة الناصريون نظام الولي الفقيه في إيران خير من جاد بهم التاريخ لصالح العرب بعد رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، طيب الله ثراه!  
و من هنا، يمكن تشبيه الخلاف بين البعثيين و الناصريين في موضوع مرجعية التقويم للمواقف السياسية القومية تحديدا بالخلاف بين سكان تلك القرية الإفريقية  الذين تجمعهم ظروف المناخ و تواجههم ذات المخاطر و التحديات ، لكن إحداهما تتفاءل بالقردة حتى الاطمئنان و راحة البال في الغد المشرق؛ فلا يستطيع الواحد منها السفر من دون اصطحاب أحد القردة، و الثانية تتشاءم برؤيتها حد الارتعاب من مخبآت اليوم التالي، فكيف يتوحدون  في موضوع القردة؟ 
إن التجاوز المنصف لعقدة الخلاف لا يتأتى إلا باختفاء القردة نفسها نهائيا  من جغرافية القرية، حيث لا تجد المجموعة الأولى من يؤذيها في عوامل تفاؤلها بالمستقبل، و لا تجد المجموعة الثانية من يؤذيها بتمجيد دواعي شؤمها في المستقبل! 
و باختفاء "التفاؤل المشؤوم"، يصبح الطريق سالكا للانتقال إلى الحوار الودي المفرغ من الشحن التعبوي باتجاهات معاكسة، وصولا لوحدة و توحيد، لا يمنع منهما في الظروف الحالية إلا بقاء نظام الولي الفقيه، الذي" يقاوم الصهاينة" في منظور الناصريين، و يمعن في ذبح الأمة،  في واقع البعثيين!

محمدالكوري ولدالعربي