من《ماذا نريد أن اكون؟》 إلى 《كيف ينبغي أن نكون؟》

بواسطة yahya

 

أطار بين سؤال التأسيس وسؤال إعادة بناء الدولة

في أطار، لا تبدو الأسئلة السياسية الكبرى عابرةً في الزمن؛ فبعض المدن تحتفظ في ذاكرتها بما يتجاوز الحجر والجغرافيا، وتتحول إلى شاهد على اللحظات التي أعادت فيها البلاد تعريف ذاتها.

من هنا تستمد أطار دلالتها وهي تستعيد، بعد أكثر من سبعة عقود، سؤالين يفصل بينهما الزمن، لكن يجمعهما انشغال واحد: كيف تتحول موريتانيا من مجرد كيان جغرافي واجتماعي إلى دولة لها مشروع وطني جامع؟

في خمسينيات القرن الماضي، وفي سياق كانت فيه البلاد تبحث عن موقعها وهويتها ومستقبلها، طرح الرئيس المؤسس المختار ولد داداه سؤاله الشهير: «ماذا نريد أن نكون؟». لم يكن السؤال ترفًا فكريًا، وإنما كان سؤال ميلاد؛ سؤال شعب يقف على عتبة التاريخ، ويحاول أن يحدد صورته التي يريد أن يدخل بها إلى العصر الحديث.

أما اليوم، فإن سؤال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني: «كيف ينبغي أن نكون؟»، يأتي في سياق مختلف؛ فالدولة التي كانت بالأمس مشروعًا في طور التكوين أصبحت واقعًا مؤسسيًا له تراكماته وتجربته وتحدياته. ولذلك لم يعد السؤال الأساسي متعلقًا فقط بما نريد أن نكونه، وإنما بكيفية بناء دولة أكثر رسوخًا، ومجتمع أكثر انسجامًا، ومواطنة أكثر حضورًا في الوعي والممارسة.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة بين السؤالين: الأول يحدد الوجهة، والثاني يبحث في شروط بلوغها.

الأول سؤال الهوية والمصير، والثاني سؤال المنهج والسلوك.

الأول ينتمي إلى لحظة تأسيس الدولة، والثاني إلى لحظة إعادة النظر في كيفية أدائها لوظيفتها التاريخية.

لكن الأهم من اختلاف العبارات هو ما يجمع الرجلين في العمق.

فكلاهما تعامل مع الدولة باعتبارها مشروعًا وطنيًا يتجاوز الأطر الضيقة، لا مجرد جهاز إداري أو سلطة سياسية. وكلاهما أدرك، في سياقه التاريخي، أن بناء الدولة لا يكتمل بمجرد إقامة مؤسساتها، وإنما يحتاج إلى بناء الإنسان الذي يؤمن بها، والمجتمع الذي يجد فيها إطارًا جامعًا، والوعي الذي يجعل الانتماء الوطني أوسع من الانتماءات الجزئية.

وإذا كان المختار ولد داداه قد واجه تحدي إيجاد الدولة من عدم أو من شبه عدم، فإن محمد ولد الشيخ الغزواني يواجه تحدي ترسيخ الدولة في الوعي والممارسة، وتحصينها من العودة إلى منطق التجزئة الاجتماعية والسياسية.

وهذه نقطة جوهرية في المقارنة:

لم تكن مهمة المؤسس أن يبني مؤسسات فحسب، بل أن يقنع مجتمعًا متعدد البنى والانتماءات بأن له مستقبلًا مشتركًا داخل دولة واحدة. واليوم، لا تنحصر مهمة إعادة بناء الدولة في تطوير مؤسساتها، بل تمتد إلى تعميق مفهوم المواطنة، وترسيخ المساواة في الحقوق والواجبات، وجعل الدولة المرجعية الجامعة التي لا ينازعها في وظيفتها إطار قبلي أو جهوي أو فئوي.

لذلك فإن سؤال «كيف ينبغي أن نكون؟» لا يمثل قطيعة مع سؤال «ماذا نريد أن نكون؟»، بل يبدو، في القراءة التاريخية، امتدادًا له ونضجًا طبيعيًا داخله.

فحين سأل المؤسس: ماذا نريد أن نكون؟ كان يؤسس لإرادة جماعية.

وحين يُطرح اليوم: كيف ينبغي أن نكون؟ فإن الأمر يتعلق بتحويل تلك الإرادة إلى ممارسة سياسية ومؤسسية واجتماعية مستدامة.

وبين السؤالين تمتد مسيرة موريتانيا كلها: من البحث عن الدولة إلى البحث عن الدولة التي نريد لها أن تكون؛ ومن تأسيس الكيان إلى ترسيخ معناه؛ ومن بناء المؤسسات إلى بناء الثقافة الوطنية التي تمنح تلك المؤسسات مشروعيتها واستمراريتها.

ولعل أبلغ ما في عودة هذا السؤال إلى أطار أن المكان نفسه يتحول إلى جسر بين زمنين: أطار التي احتضنت ذات يوم سؤال المستقبل في لحظة تأسيس الدولة، تستقبل اليوم سؤالًا جديدًا حول شكل الدولة التي ينبغي أن يكون عليها المستقبل.

وهكذا لا يصبح حضور القائدين في أطار مجرد تكرار لمشهد تاريخي، وإنما حوارًا رمزيًا بين جيلين من القيادة الوطنية: جيل سأل عن الكيان الذي نريد أن نبنيه، وجيل يسأل عن الإنسان والدولة والمجتمع الذين ينبغي أن نصبحهم كي يستقيم ذلك البناء.

إنها، في النهاية، ليست مسألة تشابه في الأشخاص أو تطابق في الظروف، فالتاريخ لا يعيد نفسه، وإنما مسألة تشابه في حجم السؤال الوطني وفي الإيمان بأن الدولة لا تُبنى مرة واحدة، وأن تأسيسها لحظة، بينما بناء معناها وترسيخ قيمها مسؤولية أجيال.

ومن أطار، التي شهدت أحد أسئلة الميلاد الوطني، يبدو السؤال الجديد وكأنه يقول إن مشروع الدولة لم ينتهِ يوم وُلدت الجمهورية؛ بل بدأ يومها، وما زال مفتوحًا على أجيال متعاقبة من الأسئلة.

فإذا كان سؤال الأمس: «ماذا نريد أن نكون؟»، فإن سؤال اليوم: «كيف ينبغي أن نكون؟»؛ وبينهما تكمن المسافة كلها بين تأسيس الدولة وبناء الدولة.

محمد سالم الوذان