البعث ليس رجلا يبحث عن جو ھرة:(في معيارالانتماء وحقيقة النضال)

بواسطة yahya


----------------------------------

 

الدكتورة بيان

صادفني مقال يحمل عنوان « جوهرة البعث » ، فضحكت قليلاً من الوصف قبل أن تتحول تلك الضحكة إلى استياء حقيقي من مستوى الخطاب الذي بات البعض يستخدمه في توصيف الشخصيات الحزبية وتقييم تاريخها النضالي . وتساءلت : منذ متى كان البعث رجلاً يبحث عن جوهرة ؟ ، ومن منح الكاتب حق اختزال فكر سياسي وتاريخ نضالي في وصف عاطفي كهذا ؟ .
لكن ما أثار استيائي أكثر من العنوان ، هو محاولة تحويل التاريخ الحزبي إلى شهادة تفوق أخلاقي وسياسي ، وكأن الأقدمية في الانتماء تمنح أصحابها حصانة من المساءلة حتى وإن تناقضت مواقفهم اللاحقة مع المبادئ التي اكتسبوا باسمها مكانتهم .
إن وصف إحدى الشخصيات النسوية التي عملت في مؤسسات الدولة الوطنية السابقة بأنها « جوهرة البعث » يثير إشكالية تتجاوز حدود المجاملة الشخصية أو الإشادة بتاريخ امرأة بعينها . 
فالمسألة هنا تتعلق بطبيعة الخطاب السياسي وبالمعايير التي نعتمدها في تقييم التجربة النضالية وبالتمييز  بين الانتماء إلى الفكر والوفاء له .
البعث ليس رجلاً يبحث عن شريكة ليختار من بين النساء جوهرته … وليس كياناً ذكورياً يمنح المرأة قيمتها أو يحدد مكانتها وفقاً لموقعها في ذاكرة الرجال .
ومن هذا المنطلق ، فإن تكريم المرأة التي أسهمت في العمل السياسي والوطني لا يتحقق بإضفاء أوصاف جمالية أو عاطفية عليها ، وإنما بالاعتراف بدورها السياسي والفكري والتنظيمي ، وبإخضاع تجربتها للمعايير الموضوعية نفسها التي تخضع لها تجارب الرجال .

أولاً : النضال ليس تاريخاً يمنح حصانة للمستقبل
إن العمل في مؤسسات الدولة أو تقلد المناصب الحزبية أو امتلاك تاريخ طويل من النشاط السياسي لا يمنح صاحبه حصانة دائمة من النقد والمساءلة ، فالتاريخ السياسي ليس رصيداً جامداً  ، وإنما تجربة متصلة تتحدد دلالتها أيضاً بالمواقف التي يتخذها أصحابها عند المنعطفات المصيرية ، فكم من شخصيات معروفة عُرفت بتاريخ خدمتها المشرف ، ثم باعت تاريخها عند أول فرصة وحولت رصيدها النضالي إلى رأس مال للمساومة ... أسم تجاري للبيع ! .
وهنا تبرز الحكمة العربية القائلة : ( إن الأمور بخواتيمها ) … لا بوصفها دعوة إلى محو التاريخ السابق ، وإنما باعتبارها تنبيها إلى أهمية المآلات في الحكم على التجارب .
فالاختبار الحقيقي للالتزام بالمبادئ يظهر عندما تتعارض تلك المبادئ مع المصالح الشخصية ، وعندما يصبح الحفاظ على الموقع أو النفوذ مشروطاً بتقديم التنازلات .
أما الاكتفاء باستدعاء الماضي لإثبات المشروعية السياسية فيحمل خطر تحويل التاريخ النضالي إلى امتياز شخصي . 
‎ 
ثانياً : قيمة التجربة في قدرتها على تحمل المساءلة
‎لا ينبغي أن يكون السؤال عمن يستحق لقب « جوهرة البعث » ، بل عن المعايير التي تتيح كتابة تاريخ سياسي منصف لجميع من انتموا إليه رجالاً ونساء .
إن الحكم على التجارب بخواتيمها يستدعي النظر إلى المسار كاملاً بما يتضمنه من إنجازات وإخفاقات وثبات وتحولات ، فالخاتمة قد تكشف دلالات جديدة للماضي لكنها لا تلغي بالضرورة كل ما سبقها .
‎إن الحد الأدنى من الأخلاق السياسية يقتضي أن يصون الإنسان تاريخه وأن يحافظ على الشرف الذي عُرف به ، لا أن يحول ذلك التاريخ إلى رأس مال سياسي يساوم عليه لتحقيق مصالح شخصية ، فالتاريخ المشرف ليس ملكية قابلة للبيع ، ولا رصيد يُستثمر في صفقات المصالح ، بل مسؤولية أخلاقية تزداد ثقلاً كلما ازدادت التضحيات التي بُني عليها . 
ومن المفارقات ، أن يستند المرء إلى ماضيه النضالي لاكتساب “ الشرعية ” ثم يتخذ من المواقف ما يتناقض مع المبادئ التي منحته تلك الشرعية !! .
فليس أصعب من أن يهدم الإنسان بيده التاريخ الذي صنع مكانته  ، وليس أكثر تناقضاً من أن يتاجر باسم قضية كان يدعي أن الدفاع عنها واجب لا يقبل المساومة .
‎
ثالث اً: الشرعية ، بين إرث الأسماء وثبات المبادئ
ومن المفارقات السياسية والأخلاقية ، أن يتباهى البعض بتاريخ شخص ويتخذ من ماضيه الحزبي وسيلة للطعن في آخر بحجة وادعاء أنه كان مطرود من الحزب ، وكأن القرارات التنظيمية تمنح أصحابها صكوك البراءة الأبدية أو تسلب المطرودين حقهم في الانتماء إلى المبادئ التي آمنوا بها .
وحتى لو افترضنا جدلاً ، أن عضواً ما تم طرده ..
إن الطرد قرار تنظيمي يرتبط بظروفه وملابساته ، وليس حكما تاريخياً نهائياً على وطنية الإنسان أو سلامة موقفه السياسي . 
كما أن البقاء في التنظيم لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية ولا يعفيه من مسؤولية خياراته اللاحقة ، فقد يخرج الإنسان من التنظيم ويبقى وفياً لفكره ، وقد يحتفظ آخر بموقعه الحزبي ثم يتخلى عن المبادئ التي قامت عليها شرعيته ، كما يحدث اليوم فيمن يطلقون على أنفسهم ( القيادة الشرعية ) وهم يقومون ببيع القضية باسمها .
‎وهنا يبرز التناقض الذي يتجاهله من يتباهون بالتاريخ التنظيمي : 
ما القيمة السياسية للبقاء في الحزب إذا انتهى الأمر بالتفريط بمبادئه ؟ ، وما جدوى التفاخر بالماضي إذا كانت المواقف اللاحقة تنقض الأسس التي استمد منها ذلك الماضي قيمته ؟ .
إن التاريخ لا يحاكم الناس على أساس من بقي ومن طرد ، بل على أساس من حافظ على مبادئه ومن تخلى عنها . 
ولو بعث الله القائد التاريخي من جديد اليوم بيننا ، فهل كان سيعترف بشرعية قيادة تستمد شرعيتها من وجود أشخاص قدماء في صفوفها قاموا بالمتاجرة باسمها وبيعها ؟ ، أم بقيادة منتخبة تتمسك بمبادئ الحزب ؟ ، وهل كان سيحاكم المطرود بالأمس بقرار طرده أم بمواقفه اللاحقة ؟ ، وهل كان معيار التقييم سيظل قائماً على قرار الطرد ، أم على مدى الوفاء بالمبادئ والاستقلال في القرار السياسي ؟ .
ولعل المفارقة الأشد دلالة ، أن يصبح الطرد تهمة باطلة تلاحق من حافظ على قناعاته ، بينما يتحول التاريخ الحزبي إلى شهادة تزكية دائمة لمن تتعارض مواقفه اللاحقة مع المبادئ التي أعلن الدفاع عنها .
إن هذه الأسئلة تضع الشرعية التاريخية والتنظيمية أمام اختبار المواقف لا الأسماء والألقاب ، فالتاريخ لا يقف عند أبواب التنظيم ولا تنتهي مسؤولية المناضل بانتهاء عهد قائده وحزبه ، والمقياس الذي ينبغي الاحتكام إليه ليس الموقع الذي شغله الإنسان بالأمس ، وإنما الموقف الذي اختاره عندما أصبحت المبادئ موضع اختبار .
لمن يهمه أمر الشعب والأمة ...