ليس كل اختلاف سياسي ديمقراطية، كما أن وجود صناديق اقتراع وأحزاب ومعارضة لا يعني بالضرورة أن الديمقراطية قد استقرت بمفهومها الذي عرفته التجارب الغربية الحديثة. فالديمقراطية ليست مجرد آلية للوصول إلى السلطة، وإنما منظومة متكاملة من المؤسسات والقوانين والثقافة السياسية، واستقلال السلطات، واحترام الدستور، وتداول السلطة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل الدولة فوق الأشخاص والجماعات.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن تجربتنا الديمقراطية ولدت ولادة خداج، ثم واصلت نموها في ظروف سياسية ومؤسسية لم تكن مهيأة لاستيعابها كاملة. وحين بدا أنها تقترب من مرحلة النضج، جاءت التحولات والتجاذبات التي أعادت المشهد إلى مراحل أقل استقرارًا، حتى أصبح الحديث عن الديمقراطية أحيانًا أكبر من واقعها الفعلي.
ولعل أخطر ما أصاب تجربتنا السياسية هو أن الديمقراطية لم تنجح، إلى الآن، في تحرير السياسة بصورة كاملة من البنى التقليدية التي سبقتها. فبدل أن تتحول الانتخابات تدريجيًا إلى منافسة على البرامج والمشاريع والسياسات العامة، بقيت الاعتبارات القبلية والاجتماعية حاضرة بقوة في حسابات الفوز والخسارة، وأصبحت استمالة الجماعات والبحث عن خزان انتخابي جزءًا من اللعبة السياسية.
وهنا يصبح من الصعب أن نتحدث عن ديمقراطية ناضجة بالمعنى الذي يجعل المواطن يصوت للمشروع قبل الشخص، وللبرنامج قبل الانتماء، وللمصلحة العامة قبل شبكة المصالح الخاصة.
بل إن جزءًا من خطاب المعارضة، كما هو جزء من خطاب السلطة، لا يزال محكومًا أحيانًا بمنطق الوصول إلى المواقع أكثر من منطق بناء المؤسسات. ومع أن من الظلم اختزال جميع المعارضين في الطموح الشخصي أو جميع الموالين في البحث عن المنافع، فإن التجربة السياسية نفسها تسمح لنا بطرح سؤال مشروع: كم من الصراع السياسي عندنا يدور حول شكل الدولة ومستقبلها، وكم منه يدور حول من يملك مفاتيحها؟
ذلك سؤال لا ينبغي أن يغضب أحدًا، لأنه لا يتهم أشخاصًا بعينهم، وإنما يختبر طبيعة الممارسة السياسية نفسها.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم بعض الدعوات التي تظهر بين الحين والآخر إلى إعادة النظر في الدستور أو إعادة تعريف التمثيل السياسي على أسس مكوناتية. فالخطر ليس في الاعتراف بالتنوع الاجتماعي، فهذا أمر طبيعي في أي مجتمع، وإنما في تحويل هذا التنوع إلى قاعدة دائمة لتوزيع السلطة والثروة والوظائف.
فإذا أصبحت المواطنة تُقرأ أولًا من خلال المكوّن، وأصبح الوصول إلى السلطة مرتبطًا بحصة كل جماعة، فإننا لا نكون قد حللنا مشكلة التهميش، وإنما نكون قد نقلناها من مجال السياسة إلى بنية الدولة نفسها.
وهذا بالضبط ما يجعل مسألة الهوية من القضايا التي لا يجوز التعامل معها بخفة أو بمنطق المزايدة. فمسألة هوية موريتانيا لم تكن يومًا تفصيلًا عابرًا في تاريخها السياسي، بل ارتبطت منذ البدايات بمخاوف حقيقية من التجاذبات الداخلية والأطماع الخارجية، وبالسعي إلى إيجاد صيغة جامعة تستطيع الدولة من خلالها أن تحمي استقلالها وتماسكها.
ولهذا فإن معالجة المظالم التاريخية، وهي ضرورة لا ينبغي إنكارها، يجب أن تتم داخل إطار المواطنة والقانون، لا عبر تحميل جماعة بأكملها مسؤولية تاريخ معقد، ولا عبر تأسيس نظام سياسي يجعل الانتماء المكوناتي شرطًا ضمنيًا في توزيع السلطة.
أما الحديث عن القوى السياسية المختلفة، من إخوان وكادحين وقوميين وغيرهم، فينبغي أن يُقرأ كذلك بعيدًا عن التبسيط. فالتقارب بين القوى السياسية ليس في ذاته مؤامرة، كما أن الاختلاف بينها ليس ضمانة للاستقلالية. والسياسة بطبيعتها تعرف التقاطعات والتحالفات وتبدل المواقع.
لكن التجربة علمتنا أن السؤال الأهم ليس: من تحالف مع من؟
بل: ماذا يريد هذا التحالف أن يفعل بالدولة؟
وما هي الضمانات التي يقدمها لحماية المؤسسات؟ وما موقفه من التداول السلمي على السلطة؟ وما تصوره للمواطنة؟ وكيف يريد معالجة الإرث الإنساني؟ وهل يبحث عن عدالة تنصف الضحايا وتحفظ كرامة الجميع، أم عن صيغة سياسية تعيد إنتاج الانقسام بصورة جديدة؟
ولذلك، فإن أي حوار وطني قادم سيكون امتحانًا حقيقيًا للنخب السياسية أكثر مما سيكون مناسبة لتوزيع الأدوار والمواقع.
فالبلد لا يحتاج إلى حوار يُنتج تفاهمات بين النخب ثم يطلب من المجتمع التصفيق لها، وإنما يحتاج إلى حوار يضع أمام الجميع أسئلة الدولة الكبرى: أي دولة نريد؟ وما معنى المواطنة فيها؟ وكيف نحمي مؤسساتها من الشخصنة؟ وكيف نضمن التداول على السلطة؟ وكيف نعالج المظالم دون أن نحولها إلى وقود دائم للصراع بين مكونات المجتمع؟
وإذا كان هناك من يخشى من صفقة سياسية ما، فالمواجهة الصحيحة لهذا الخوف ليست إطلاق الاتهامات، وإنما المطالبة بالوضوح والشفافية ونشر المرجعيات والأفكار التي ستناقش على طاولة الحوار. فالنوايا لا تُبنى عليها الدول، وإنما النصوص والضمانات والمؤسسات.
أما النخب، فعليها أن تدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث لبلد هش التجربة الديمقراطية هو أن تُستبدل دولة المؤسسات بتوازنات الأشخاص والجماعات، وأن تتحول الانتخابات إلى موسم لتجديد شبكات النفوذ، وأن تصبح المعارضة مجرد طريق بديل إلى السلطة، كما تصبح الأغلبية مجرد وسيلة للاستمرار فيها.
الديمقراطية التي نحتاجها ليست ديمقراطية الشكل، بل ديمقراطية الدولة.
ديمقراطية تجعل الحاكم عابرًا والمؤسسة باقية، وتجعل المعارضة شريكًا في الرقابة لا مشروعًا دائمًا للانقلاب على كل شيء، وتجعل الانتخابات وسيلة لاختيار الأفضل لا مناسبة لإعادة إنتاج الولاءات القديمة.
وموريتانيا، في تقديري، تحتاج اليوم إلى نخبة سياسية أكثر وعيًا من أن تنخدع بالشعارات، وأكثر شجاعة من أن تخاف من الأسئلة الصعبة، وأكثر وطنية من أن تجعل الوصول إلى السلطة غايتها النهائية.
فالبلد لا يحتاج إلى من ينتصر في معركة سياسية، بقدر ما يحتاج إلى من ينتصر لفكرة الدولة.
وإذا كان ثمة درس ينبغي أن نتعلمه من عقود التجربة، فهو أن بناء دولة القانون لا يبدأ من السؤال: من يحكم؟
بل من السؤال الأهم:
بأي قواعد يحكم؟ ولأي مواطن؟ وتحت أي قانون؟ وماذا يحدث عندما تنتهي ولايته؟
عندها فقط يمكن أن نبدأ الحديث عن ديمقراطية حقيقية، لا عن مجرد ديمقراطية تتغير فيها الوجوه بينما تبقى القواعد القديمة على حالها.
حمادي سيدي محمدآباتي




