الإعلام بين نقل الخبر وصناعة الوعي

بواسطة yahya

الإعلام بي
ليس الإعلام السياسي هو الذي يرفع الشعارات السياسية فحسب، كما أن الخبر لا يفقد صفته المهنية لمجرد أنه تناول قضية ذات دلالة سياسية. فالمسألة أعمق من ذلك: متى يصبح الإعلام في خدمة السياسة؟ وكيف يتحول الخبر العادي من مجرد معلومة إلى عنصر في تشكيل وعي وطني عام؟
الإعلام يصبح في صالح السياسة حين يتجاوز وظيفة الإخبار إلى وظيفة التفسير والإضاءة وربط الأحداث بسياقاتها ونتائجها، دون أن يفقد صدقيته أو يتحول إلى دعاية مباشرة. فالسياسة الرشيدة لا تحتاج دائما إلى منبر سياسي يتحدث باسمها؛ قد يكون الخبر نفسه، إذا أحسن تقديمه، أكثر تأثيرا من الخطاب السياسي الصريح.
فالخبر يقول: ماذا حدث؟
أما الإعلام المؤثر فيضيف: لماذا حدث؟ وما دلالته؟ وما أثره على المواطن والدولة والمستقبل؟
وهنا تبدأ عملية صناعة الرأي العام.
المنبر السياسي والمنبر الإخباري
المنبر السياسي ينطلق من موقف معلن؛ فهو يدافع عن رؤية، ويقدم برنامجا، ويقنع الجمهور بخيار سياسي معين. أما المنبر الإخباري، فوظيفته الأصلية نقل الوقائع والتحقق منها وتقديمها في سياقها.
لكن الفارق بينهما لا يعني أن الإعلام الإخباري عاجز عن التأثير السياسي؛ بل العكس هو الصحيح. المنبر السياسي يخاطب الجمهور بوصفه جمهورا يريد إقناعه، بينما يخاطبه المنبر الإخباري بوصفه جمهورا يريد إعلامه؛ ولذلك قد يكون تأثير الثاني أعمق وأطول مدى.
فالسياسي عندما يقول: لقد أنجزنا، يستطيع المتلقي أن يضع كلامه في خانة الدعاية. أما حين يرى خبرا موثقا عن مشروع أنجز، أو مدرسة شُيدت، أو طريق فُتح، أو خدمة تحسنت، أو أسرة استفادت من برنامج اجتماعي، فإن الواقعة تتحدث عن نفسها، ويصبح الخبر حاملا للدلالة السياسية دون أن يكون خطابا سياسيا مباشرا.
من الخبر إلى الرأي العام
الخبر العادي لا يصنع رأيا عاما بمجرد نشره، وإنما يصنعه تراكم الأخبار ذات الاتجاه الدال، وحسن ترتيبها، ووضعها في سياقها الوطني.
فإذا كان الإعلام يتناول الإنجاز باعتباره حادثة منفردة، فقد يبقى مجرد خبر. أما إذا ربط بين الإنجازات والسياسات العامة، وبين القرار ونتائجه، وبين المشروع وحياة المواطن، فإنه ينتقل من نقل الحدث إلى تفسير المسار.
وهنا تكمن القوة الحقيقية للإعلام.
فمثلا، لا يكفي أن نقول إن الدولة دشنت مشروعا تنمويا في منطقة ما؛ بل ينبغي أن نوضح الحاجة التي جاء المشروع لمعالجتها، والفئات المستفيدة منه، والموارد التي استثمرت فيه، وما الذي سيضيفه إلى حياة السكان. عندها يتحول الخبر من معلومة جامدة إلى معنى وطني.
والأمر نفسه ينطبق على المدرسة الجمهورية، وعلى برامج التكافل الاجتماعي، وعلى البنية التحتية، وعلى الإصلاحات الإدارية والاقتصادية. فالمطلوب ليس تكرار الخطاب الرسمي، وإنما إظهار الصلة بين القرار ونتيجته، وبين السياسة العامة وأثرها في حياة الناس.
لكن هناك خطا أحمر
تحويل الإعلام الإخباري إلى أداة لصناعة رأي وطني لا يعني تحويله إلى بوق سياسي. فالإعلام الذي يفقد استقلاله المهني يفقد، في الوقت نفسه، أهم مصدر لقوته: الثقة.
والرأي العام لا يُصنع بالتضخيم ولا بإخفاء الوقائع ولا بتجميل كل شيء. بل يصنع بالخبر الصحيح، والسياق المتوازن، واللغة الهادئة، والمعلومة القابلة للتحقق.
لذلك فإن الإعلام الذي يخدم السياسة الوطنية ليس هو الإعلام الذي يمدح السلطة في كل مناسبة، وإنما الإعلام الذي يساعد المواطن على فهم الدولة، وفهم خياراتها، وتمييز الإنجاز من الإخفاق، والمصلحة الوطنية من المصلحة الفئوية.
إن صناعة الرأي العام ليست عملية تلقين، وإنما عملية بناء تدريجي للوعي.
ومن هنا فإن أقوى إعلام سياسي قد يكون ذلك الذي لا يبدو سياسيا في ظاهره؛ لأنه لا يقول للناس ماذا يفكرون، بل يقدم لهم الوقائع في سياق يجعلهم قادرين على أن يفكروا بطريقة أعمق في وطنهم ومصالحه ومستقبله.
وهنا يتحول الخبر من مجرد خبر...
إلى لبنة في بناء الوعي، ومن الوعي يتشكل الرأي العام، ومن الرأي العام تتولد القوة السياسية الناعمة للدولة.
محمدسالم الوذان