قرار مجلس الوزراء بتحسين أوضاع العاملين في قطاع التعليم كان قرارا صائبا

بواسطة yahya

عندما تضع الدولة المعلم في قلب مشروعها الحضاري
هناك قرارات تُعالج الواقع، وقرارات تُعيد تعريفه. وقرار مجلس الوزراء القاضي بتحسين أوضاع العاملين في قطاع التعليم ينتمي إلى الصنف الثاني؛ لأنه لا يقتصر على معالجة اختلال مهني، وإنما يعكس تصورًا للدولة عن طبيعة النهضة، وعن الإنسان الذي تريد أن تصنعه.
فليست الحضارات بنت الوفرة المادية وحدها، وإنما هي، قبل ذلك، ثمرة رؤية أخلاقية تجعل الإنسان غاية التنمية لا وسيلتها. ولذلك لم يكن التعليم، في تاريخ الأمم، قطاعًا إداريًا كسائر القطاعات، بل كان دائمًا المرآة التي تعكس مستوى وعي الدولة بذاتها، وبمستقبلها، وبمكانتها بين الأمم.
إن المعلم هو أول من يلتقي بالمستقبل. فعلى يديه تتشكل العقول، وتُصاغ منظومات القيم، ويتكون الضمير الجمعي الذي يحدد لاحقًا طبيعة المجتمع والدولة. ومن ثم، فإن كل استثمار في المعلم هو استثمار في الأمن الثقافي، وفي السلم الاجتماعي، وفي الاقتصاد، وفي السياسة، وإن بدا في ظاهره قرارًا ذا طابع وظيفي.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن الدول التي رفعت مكانة المعلم لم تكن تمنحه امتيازًا، بل كانت تمنح المستقبل فرصة. فالمدرسة ليست مكانًا لنقل المعرفة فحسب، بل هي المصنع الحقيقي للمواطنة، والفضاء الذي تتعلم فيه الأجيال معنى المسؤولية والانتماء واحترام القانون. وإذا ضعفت المدرسة، ضعفت مناعـة المجتمع كلها، مهما بلغت وفرة الموارد أو قوة المؤسسات.
ومن هذا المنظور، يكتسب القرار الأخير دلالته الحضارية؛ إذ يعكس إدراكًا بأن التنمية ليست تراكمًا للمشاريع، وإنما تراكمٌ للإنسان القادر على إدارتها وحمايتها وتطويرها. فالطرقات والموانئ والمستشفيات قد تبنيها الأموال، أما العقول التي تحسن إدارتها فلا يبنيها إلا تعليم جيد، ومعلم يشعر بأن وطنه يقدر رسالته.
وفي هذا السياق، يبرز وعي فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد ألشيخ الغزواني بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من المدرسة، وأن الدولة التي تريد أن تؤسس نهضة مستدامة لا بد أن تبدأ بإعادة الاعتبار لمن يصنع الإنسان. فبناء الفرد ليس شعارًا تربويًا، بل هو جوهر الفكرة السياسية الحديثة؛ لأن الدولة القوية ليست تلك التي تفرض سلطتها، وإنما تلك التي تنتج مواطنًا يمتلك العلم، ويؤمن بالواجب، ويثق في مؤسسات وطنه.
إن المجتمعات لا تنهار حين تفتقر إلى الموارد، وإنما حين يتراجع فيها تقدير المعرفة، ويغيب فيها احترام من يحمل رسالة التعليم. لذلك فإن إعادة الاعتبار للمعلم ليست استجابة لفئة مهنية، بل ترميمٌ للسلم القيمي الذي تقوم عليه الأمة، وإعلانٌ بأن المدرسة ستظل نقطة الانطلاق لكل مشروع وطني كبير.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية لهذا القرار لا تكمن فيما يمنحه اليوم من تحسين للأوضاع، وإنما فيما يؤسس له غدًا من ثقافة وطنية جديدة، يكون فيها التعليم أولوية استراتيجية، والمعلم شريكًا في صناعة الدولة، لا مجرد موظف في جهازها الإداري.
والقرار على أهميته ليس إلا تكملة لقرارات أتخذت بهدوءوتوأدة منها على سبيل المثال لا الحصر المدرسة الجمهورية صندوق سكن المدرسين ..../

،محمدسالم الوذان